نواكشوط عاصمة الثقافة الإسلامية لسنة 2011: التحديات والرهانات

لقد تبنى وزراء الثقافة لدول منظمة المؤتمر الإسلامي أثناء اجتماعهم الأخير في باكو عاصمة أزربدجان ترشح مدينة انواكشوط لأن تكون عاصمة للثقافة الإسلامية لسنة 2011. وباعتبار ان ذلك يشكل التزاما دوليا اتخذته بلادنا في محفل عالمي تجاه 49 دولة إسلامية، فقد بادرت الحكومة الموريتانية خلال اجتماعها المنعقد في 14 دجمبر 2009 بإنشاء مشروع يدعى “مشروع انواكشوط عاصمة الثقافة الإسلامية لسنة 2011” أوكلت إدارته إلى منسق وطني تم تعيينه بمرسوم رئاسي، وعهدت بالإشراف على الإعداد له إلى لجنة وزارية مختلطة يرأسها السيد الوزير الأول وأناطت مواكبة تنفيذه بلجنة متابعة ترأسها السيدة وزيرة الثقافة والشباب والرياضة.
ولاشك في أن العناية الكبيرة التي توليها القيادة الوطنية لهذا المشروع، إنما تنم عن إدراكها لطبيعة التحديات التي يتوجب رفعها من أجل الاستعداد الأمثل لهذا الاستحقاق كما تنبئ عن وعيها لأهمية الرهانات التي تتصل به واستبطانها لما قد يفضي إليه من نتائج وما قد يترتب عنه من تداعيات.
وتتمثل التحديات الواجب رفعها في قلة المنشآت والمؤسسات والبنى التحتية السوسيو ثقافية وفي ندرة الكفاءات والخبرات والمهارات في مجال الفنون من مسرح وموسيقى وسينما ورسم وأداءات فولكلورية ممنهجة. كما أنها تكمن في والوضعية المؤسفة المميزة لعاصمتنا التي تفتقر إلى الشوارع المرصفة المبلطة المنارة والمزودة بإشارات المرور كما تفتقر عاصمتنا للفضاءات العمومية والمساحات الخضراء والأماكن الترفيهية وتكتسحها، رغم جهود المجموعة الحضرية لانواكشوط، القمامات وتجوب أزقتها الحيوانات السائبة والكلاب الضالة؛ وتكتظ شوارعها وأزقتها بسيارات نقل موغلة في القدم تزاحمها عربات تجرها الحمير؛ وكل وذلك في فوضى عارمة تبعث على الحزن وتثير الشفقة.
ومن هنا فإن الإعداد لجعل انواكشوط عاصمة للثقافة الإسلامية لسنة 2011، يتطلب أول ما يتطلب معالجة هذه الأوضاع بكل حزم وذلك بتنظيف المدينة وتبليط وترصيف وإنارة شوارعها وإخلائها من الحيوانات السائبة ومن كل مظاهر العشوائية والفوضى ومن الجيوب الوسخة النتنة وإعادة الإعتبار إلى المساحات العمومية والأماكن الترفيهية وتفعيل المساحات الخضراء وإعادة تأهيل المنشآت الرياضية والبنى التحتية الثقافية والاجتماعية ودفع وتأطير الأنشطة الإبداعية والفنية بكل أنواعها وتزيين ملتقيات الطرق بمعالم فنية مستنبطة من تراثنا الوطني.
أما الرهانات التي يتوجب كسبها فإنها تتمثل على العموم في إحياء التراث الوطني في تنوعه واختلاف أشكاله وألوانه وجعل الشعب الموريتاني يمتلك هذا التراث في كل أبعاده ويتماهى معه ويرى فيه ثمرة عمل مشترك وعامل تكامل وتآلف ووحدة وانسجام بين مختلف مكوناته ؛ مما يعمق الإحساس بالانتماء الوطني ويقوي إرادة التعايش ويجذر ثقافة المواطنة ويرقى بمستوى الذائقة العامة ويمهد للمدنية والتحضر مع الحفاظ على القيم الأخلاقية والروحية وتحصين الخصوصية والحرص على التصالح مع الذات.
أما التداعيات التي سوف يستتبعها هذا الحدث الهام فستتخذ أشكالا اقتصادية واجتماعية وفكرية وفنية ستفرزها مختلف الأنشطة والفعاليات التي ستجري في تناغم وتفاعل وتكامل طوال سنة كاملة ضمن إطار مدينة انواكشوط التي سيكون قد تم تأهيلها وإعدادها في منظور هذا الاستحقاق الهام. مما سيحدث حراكا حافزا على تواصل العمل واستمرارية الجهود تمهيدا لحصول نقلة نوعية تطال كل جوانب الحياة الوطنية في البلاد.
وسوف تتمثل فعاليات هذا الحدث المتميز الذي ستحتضنه عاصمتنا طوال سنة 2011 في أعمال وأنشطة وأداءات مختلفة ومتعددة تشمل على وجه الخصوص :
محاضرات : تتعرض من بين أمور أخرى إلى إسهام الثقافة الإسلامية في بلورة المعارف البشرية وإلى شمول رسالة الإسلام وطبيعته السمحة، كما ستتناول حوار الحضارات وثقافة السلام ودور بلاد شنقيط في نشر الفكر الإسلامي ضمن الفضاءين العربي والإفريقي؛
معارض : يتم خلالها تقديم المخطوطات الإسلامية الموريتانية والكتب المتصلة بالتراث بمختلف ألوانه من فقه وعلوم لغوية وآداب وفنون، وكتب للأطفال ورسوم كرتونية وخط عربي وإبداعات تشكيلية وأشرطة وثائقية وأفلام سينمائية إضافة إلى المنتوجات التطريزية والزخرفية والأواني الخزفية والأدوات الحجرية والمعدنية وصور النقوش الصخرية وأدوات الصيد التقليدي والنباتات الاستططبابية الموريتانية والأدوات الموسيقية التقليدية والقطع الأثرية والمعدات المنزلية العتيقة ..إلخ.
ج- مهرجانات : تخصص للسنما والموسيقى والعزف والرقص والأهازيج الشعبية والمدائح الدينية والأذكار الصوفية وأخرى مخصصة للشعر والحكاية والتباري في فنون الخطابة والمناظرات (لقطاع) وكذلك الألعاب المجتمعية التقليدية والعصرية وفنون الطبخ وعرض الأزياء ومنتجات الصناعة التقليدية من جلد ونحاس وفضة وذهب والمنتجات النسيجية من حصير وسجاد .. إلخ
د- أمسيات فنية : تخصص للأداءات ولإظهار البراعة والتمكن في مجالي الموسيقى التقليدية والحديثة وفي استخدام الآلات الموسيقية المتنوعة وفي الأداء الغنائي الفردي والسنفوني وفي الحكاية التقليدية والأغاني الدينية (مدح الرسول صلى الله عليه وسلم) وكذلك في فنون السرد والكلام كالحكاية والنكتة والأحجية والألغاز والمناظرات.
هـ – ورشات التكوين : تستهدف من بين أمور أخرى التدريب على تقنيات ترميم المخطوطات وفنون الرسم والزخرفة والنجارة والنحت والخط والكاريكاتير والتنميغ ..إلخ
و- مسابقات/ مباريات : ترمي إلى منح جوائز الامتياز لأحسن الابداعات الأدبية والفنية ولأفضل الكفاءات الذهنية واللغوية والجسدية وذلك قصد مكافئة المهارات المتميزة وتشجيع المواهب الناشئة في مجالات المعارف الدينية والأدبية والعلمية والفنية وغيرها.
ز- العمل على خلق وتوطيد ذاكرة جمعية موريتانية : من شأنها أن تشكل الأسطورة المؤسسة الجامعة والموحدة لمكونات الشعب الموريتاني وذلك من خلال وسم وإعادة تأهيل أضرحة أهم الشخصيات التاريخية والدينية الموريتانية. من أمثال : الأمير أبيبكر بن عامر ووار جابي، والإمام الحضرمي على سبيل المثال لا الحصر وإعداد روايات وأفلام تمجد وتعرف بالشخصيات الدينية والسياسية البارزة التي خلد تاريخ البلاد ذكرها من أمثال : الإمام ناصر الدين أوبك والمامي مالك سي والمامي الساموري تورى والشيخ إبراهيم أنيص والشيخ ماء العينين ولد مامينا والأمير بكار ولد اسويد أحمد والأمير سيد أحمد ولد عيد والأمير علي شنظورة وغيرهم من الشخصيات الوطنية المرموقة التي لا يتسع المقام لذكر أسمائها كلها.
ومما يضاعف أهمية هذا الاستحقاق الاتسراتيجي كون الأعمال والنشاطات والاحتفاليات المزمع القيام بها خلاله تستوجب إنشاء مؤسسات وهياكل وبنى تحتية ثقافية وعلمية وفنية ورياضية كانت البلاد في أمس الحاجة إليها ويتعلق الأمر على الخصوص بدار للنشر والتوزيع ومسرح وطني ومعهد قومي للفنون الجميلة وكونسرفاتوار للموسيقى وقصر للثقافة وملعب أولمبي من الطراز الدولي .. إلخ، هذا فضلا عن ما سوف يقام به من إصلاح الشوارع واستصلاح المساحات الخضراء والساحات العمومية وتزيينها بمعالم تراثية بارزة ومعبرة عن خصوصية شعبنا وعبقريته المميزة.
وسيصبح واردا ووجيها أن يتم استغلال المنشآت والمؤسسات والآليات التي سيتم إنجازها وتفعيلها من أجل العمل على تنظيم مواسم ومهرجانات دولية ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية في مختلف ولايات الوطن سعيا إلى تشجيع التبادل التجاري البيني ودفع التفاعل الثقافي والفني بين ولايات الوطن بغية تنشيط السياحة الداخلية والدولية بكل ما يعنيه ذلك من تحسين للدخل الفردي ومن رفع من مستوى المعيشة في البلاد.
ومن البديهي أنه لا يمكن كسب هذه الرهانات التي سوف يفضي إليها هذا الاستحقاق إلا إذا أحسنا إعداده بكل إتقان ولن يتأتى لنا ذلك إلا من خلال تعبئة كل وسائلنا المالية واللوجستية وتجييش كل مواردنا البشرية واستنهاض كل طاقاتنا وخبراتنا وكفاءاتنا ومواهبنا في المجالات المعرفية والفنية والأدائية.
وأول خطوة يجب قطعها في هذا ا لاتجاه هي التغلب على ثقافة التراخي وجر الأقدام والنزوع إلى التلقائية والارتجالية “وعقلية آخر دقيقة” المتأصلة فينا. وفي كل الأحوال فإنه إذا أردنا أن نرقى ببلادنا إلى مستوى طموحنا وإذا كنا نحرص على أن نستحق شعار “موريتانيا بلاد المليون شاعر” الذي نفتخر به اليوم والذي صار ينعتنا به البعض، فعلينا أن نجتاز هذا الاختبار بنجاح لا غبار عليه وأن نكسب ما يستوجبه ذلك النجاح من رهانات وأن نرفع ما سوف يعترض سبيلنا في مسيرتنا نحو ذلك الهدف من تحديات جسام. وليس لنا من خيار سوى النجاح. فذلك ما تفرضه سمعتنا وتقتضيه كرامتنا.

محمد الأمين ولد الكتاب
المنسق الوطني لمشروع انواكشوط عاصمة الثقافة الإسلامية لسنة 2011.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى