إسرائيل تصلى نار حزب الله في لبنان

إعداد الأستاذ محمد الأمين ولد الكتاب (مقال نشرته الصحافة الوطنية والخليجية)

 

إن الحرب الضروس التي اندلعت في لبنان في الثاني عشر من شهر يوليو (تموز) سنة 2006 والتي استغرقت 33 يوما متواليا، لم تكن اعتباطية ولا وليدة الصفة بل هي حرب بدأ التخطيط لها كما ذكرت مجلة ذي نيويوركر في شهر ابريل (نيسان) المنصرم في واشنطن من طرف فريق إمركي إسرائلي يضم إضافة إلى جنرالات إسرائليين طاقما أمريكيا من أبرز أعضائه نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني وإليوت آبراهام وكوندوليزا رايس.
وقد تم في واشنطن تحديد أهداف هذه الحرب وتحديد توقيت إشعالها.
وكان الإعداد لها يجري على قدم وساق عندما ما عمد حزب الله عن بينة واستباقا منه للأمور، إلى أسر الجنديين الإسرائيليين وهو يعلم علم اليقين أن هذا النوع من العمليات تعتبره إسرائيل والولايات المتحدة استفزاز يستوجب الرد العنيف التلقائي والذي هو بالنتيجة غير محسوب العواقب، وأنهما ستضطران إلى الإسراع بإشعال الحرب التي يعرف أنهما كانتا تعدان لها سويا بهدف القضاء على المقاومة اللبنانية والفلسطينية المتمثلتين في حزب الله وحماس في منظور إقامة شرق أوسط جديد خال من المقاومة تتصدره إسرائيل وتهيمن عليه الولايات المتحدة بالتواطؤ مع الأنظمة العربية المتخاذلة التي تسوسه في الوقت الراهن، وكما توقع حزب الله، وهو الخبير بالعقلية الإسرائيلية والذهنية الأمريكية، فقد وقعت الإدارة الأمريكية وإسرائيل في الفخ الذي نصبه لهما وذلك بإسراعهما في البدء بالعمليات الحربية قبل الانتهاء من الإعداد لها واستكمال الشروط الكفيلة بإنجاحها.
وكانت إسرائيل والإدارة الأمريكية، نظرا لتهورهما وغرورهما، قد استخفتا بصلابة واستماتة وكفاءة المقاومة اللبنانية وراهنتا على فرقة وتفكك مكونات الشعب اللبناني وعلى ضعف وتخاذل حكومته . ففوجئتا بمقاومة قوية الشكيمة شديدة البأس متوفرة على أحدث أنواع الأسلحة وتمتلك من الشجاعة و العزم و الإيمان و روح التضحية ما يجعلها تصمد في وجه الترسانة الإسرائيلية بثبات ورباطة جأش لا يعرفهما الجيش الإسرائيلي. ثم أسقط في يدهما عندما لاحظتا تماسك الحكومة اللبنانية وانسجامها وتكاتف مكونات الشعب اللبناني وتآزرها. وأصيبتا بمزيد من الإحباط عندما أدركتا العزلة البائسة التي وقعت فيها الأنظمة العربية التي بادرت ممالأة منها لأمريكا بإلقاء اللائمة على المقاومة، وحاولت تبرئة ساحة إسرائيل. فلم يبق لهما والحالة هذه من سبيل لشفاء غليلهما و إرواء تعطشهما إلى الدماء العربية سوى اللجوء إلى تدمير الطرقات وتحطيم المنشآت وهدم البيوتات على رؤوس سكانها من أطفال و نساء و شيوخ حيث شكل الأطفال نسبة 40% من الضحايا وبلغت نسبة الأطفال و النساء الذين قتلوا تحت القصف الإسرائيلي 70% من مجمل القتلى المدنيين الذين استهدفهم الطيران الإسرائيلي بتشجيع ودعم أمريكيين. وهذه الحرب الشرسة و إن كانت وطأتها شديدة على الشعب اللبناني فإنها قد مكنت من الكشف عن حقائق لم يكن يدركها الجميع فأضحت وارية للعيان يعيها القاصي والداني. وسوف تترتب عنها نتائج سيكون لها تأثير كبير على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. كما سوف تكون لها على المديين القصير و المتوسط تداعيات قد تساهم في قيام سياق جيوسياسي جديد مغاير تماما للشرق الأوسط الجديد الذي كانت الإدارة الأمريكية تعمل على التأسيس له. أما الحقائق التي مكنت هذه الحرب من الكشف عنها وجعلها جلية واضحة للعيان فهي:
كون الإدارة الأمريكية الحالية و حكومة أولمرت وجهان لعملة واحدة .
كون اليمين الليكودي في إسرائيل هو امتداد طبيعي لمجموعة المحافظين الجدد المتنفذين في البيت الأبيض والذين يضعون الدفاع عن إسرائيل على رأس ولوياتهم، ومصداق ذلك هو قول مارتين ديك بأن جورج بوش يعتبر نفسه مؤتمنا على سلامة إسرائيل وأن ارتباطه بها ارتباط عقائدي. وأفاد ديك أن بوش قد اتصل قبل الحادي عشر سبتمبر (ايلول) بشارون ليؤكد له عزمه الوطيد على حماية إسرائيل بالقوة.
مشاركة الإدارة الأمريكية بنفوذها وهيمنتها على العالم من أجل توفير غطاء سياسي ودبلوماسي لإسرائيل يتيح لها إطالة أمد الحرب حتى تتمكن من إلحاق أكبر ضرر ممكن بلبنان، وحتى تقتل أكبر عدد ممكن من مدنييه العزل، إضافة إلى تعطيل عمل مجلس الأمن والحؤول دون إدانته للأعمال الإجرامية الإسرائيلية.
ضيق هامش الاستقلالية التي تتمتع بها أوروبا حيال الإرادة الأمريكية.
قيام ديمقراطية الدول الغربية على ازدواجية في المعايير واعتمادها الكيل بمكيالين بحيث لا تكترث هذه الدول بالإبادة الجماعية والتطهير العرقي إذا كان الضحايا عربا أو مسلمين بينما تثير زوابع من الشجب والاستنكار إذا ما أقدمت المقاومة الفلسطينية على إقلاق راحة المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي العربية المحتلة بإطلاق رصاصة واحدة.
كون منظمة الأمم المتحدة وآلياتها ومسئوليها قد أضحوا مجرد أدوات ودمى في يد الإدارة الأمريكية تسخرها لخدمة مصالحها الخاصة بل أصبحوا وسائل لتهديد الأمن والسلم الدوليين وفق أجندة الإدارة الأمريكية.
ومن الحقائق التي ساعدت هذه الحرب على بروزها أيضا :
عدم جاهزية جيش إسرائيل وجبن الجندي الإسرائيلي وعدم استماتته وضعف استعداده للصمود والتضحية، ولعل خير دليل على ذلك هو قيام العديد من الجنود الإسرائيليين بإلقاء أسلحتهم في معركة بنت اجبيل ومرجعيون وفرارهم وهم يصرخون بهيستيرية وهوس مخجلين ناهيك عن رفض العديد منهم للذهاب إلى جنوب لبنان للحرب باعتبار أن ذلك انتحارا غير مسؤول.
عجز المدرعات المتطورة من نوع ميركافا والحوامات المجهزة ألكترونيا من نوع آباتشي عن تحصين وحماية الجنود الإسرائيليين ضد أسلحة المقاومة اللبنانية المصوبة بدقة متناهية وبرباطة جأش رائعة.
خوف الجيش الإسرائيلي المؤكد من المواجهة البرية مع المقاومة اللبنانية والاستعاضة عنها بالقصف الجوي المكثف الذي يرمي إلى الدمار التام والإبادة الشاملة دون الإلتحام المباشر بالمقاومة.
ضعف الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وتدني مردوديتها.
لجوء السلطات الإسرائيلية إلى التعتيم والكذب والتلفيق مما دفع سكان إسرائيل إلى استقاء معلوماتهم من قناتي المنار والجزيرة لما أظهرتاه من دقة وصدقية.
قدرة المقاومة اللبنانية على النيل من الأهداف العسكرية الجوية والأرضية والبحرية الإسرائيلية وقدرتها على ضرب عمق إسرائيل وذلك لأول مرة منذ 1948 وإلحاق خسائر عسكرية واقتصادية وبشرية فادحة بإسرائيل حيث سقط عليها خلال الثلاثة والثلاثين يوما التي استغرقتها الحرب ما يربو على ثلاثة آلاف صاروخ أدت إلى قتل وجرح 1500 مستوطن إسرائيلي، وبلغت الخسائر العسكرية الإسرائيلية 119 قتيلا و 950 جريحا.
أما الخسائر الاقتصادية فقد قدرت ب 5,9 مليار دولار أمريكي، وحسب بعض الخبراء الإسرائيليين فإن إصلاح الدمار والخراب الذين لحقا بشمال إسرائيل قد يتطلب عدة عقود.
ابتكار مقاومة حزب الله لتكتيكات وممارسات قتالية جديدة لم تكن معروفة في العلوم العسكرية. وقد أثار أداء حزب الله وتقنياته القتالية اهتمام الخبراء والمختصين في الفنون العسكرية.
ظهور عجز السلطات الإسرائيلية عن حماية مواطنيها في حالة قيام حرب شاملة وثبات عدم اكتراث حكومة الدولة العبرية بسلامة وأمن مواطنيها غير اليهود مما كشف أن لإسرائيل مواطنين من الدرجة الأولى تتم العناية بهم ومواطنين من الدرجة الثانية لا يستحقون حتى أن تبنى لهم ملاجئ يحتمون بها عند الحاجة.
وكما أومأنا إليه آنفا فإنه سيكون لهذه الحرب نتائج ومضاعفات وتداعيات متنوعة ومتعددة الأبعاد سوف تكون لها تأثيرات ملموسة ليس فقط على لبنان وإسرائيل والإدارة الأمريكية الحالية بل على المنطقة برمتها.
فبالنسبة لإسرائيل فإن النتائج المباشرة والآنية لهذه الحرب جد وخيمة كما أنه من المتوقع أن تكون لها في المديين القصير والمتوسط تداعيات جوهرية سوف تطال موازين القوى المحلية وملامح الخارطة السياسية الإسرائيلية ناهيك عن أهلية الدولة العبرية للاستمرار في احتلال الموقع التراتبي الذي كانت تحتله قبل اختلال ميزان القوى الذي أحدثته المقاومة اللبنانية في المنطقة. بل إن قابليتها للاستمرار أمست محل جدل.
ولا ريب أن من أخطر النتائج التي انجرت عن هذه الحرب بالنسبة لإسرائيل هي : تصدع تماسك وانسجام المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي فقدت مصداقيتها وهيبتها أمام الرأي العام الإسرائيلي والعربي والدولي ومن ثمة سقوط أسطورة الجيش الذي لا يقهر. وقد سقطت كذلك نتيجة للطبيعة الهمجية لهذه الحرب أسطورة إسرائيل الدولة الديمقراطية المحتضرة الوحيدة في المنطقة التي تسود فيها الحريات الأساسية والمساواة والعدالة والتعددية وتحترم فيها حقوق الإنسان.
كما سقطت إلى الأبد صفة شعب الله المختار التي يحلو للإسرائيليين أن ينعتوا بها أنفسهم. وأميط القناع عن وجه الدولة العبرية فإذا هي كيان فاشتسي يمارس القتل الجماعي والتطهير العرقي ولا يقيم وزنا للقانون الدولي، وليس له الحد الأدنى من الضمير الأخلاقي. وهذا بالتأكيد هو ما جعل الكاتب النورويجي الشهير جارود يقول منذ أيام “إن إسرائيل قد فقدت حقها في الوجود وأن دولة إسرائيل سوف تتفكك”.
وما يؤكد وعي العالم المتزايد للطبيعة الحقيقية لإسرائيل هو موقف لجنة حقوق الإنسان خلال اجتماعها في 12 اغسطس 2006 في مدينة برن بسويسرا المتمثل في إدانة تامة للأعمال الوحشية وانتهاكات حقوق الإنسان التي أقدمت عليها إسرائيل في لبنان.
ويجدر التنويه في هذا المضمار إلى ما كتبه الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في مقال له نشرته الصحافة الأمريكية مؤخرا حيث أوضح “أن قصف شعب لبنان غير إنساني وأن على إسرائيل الانسحاب من مزارع شبعا وإطلاق سراح الأسرى اللبنانيين”.
ومن جهة أخرى فإن الهزيمة النكراء التي منيت بها إسرائيل أمام المقاومة اللبنانية والمترتبة عن سوء تقدير القيادة السياسية الإسرائيلية وغباء الإستراتيجية الأمريكية المحركة لها والناجمة كذلك عن تدني أداء الجيش الإسرائيلي سوف تستتبع تداعيات مصيرية بالنسبة لإسرائيل منها :
فقدان ثقة الجيش في نفسه على نحو غير مسبوق
أزمة ثقة عميقة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية.
استفحال التناقضات داخل الأحزاب السياسية وتفاقم التوتر بين هذه الأحزاب مما سيحدث غليانا سياسيا متصاعدا سيقود إلى عدم استقرار مستديم في إسرائيل.
انعدام ثقة المستوطنين في مقدرة الدولة والجيش على الدفاع عنهم وعن حمايتهم من أسلحة المقاومة التي أثبتت قدرتها الآن أكثر من أي وقت مضى على أن تطالهم حيثما وجدوا في إسرائيل، وهذا ما خلق موجة من الرعب دفعت بما يربو على اثنين وثمانين ألف إسرائيلي على مغادرة البلاد علما أن عدد الذين أعربوا عن الرغبة في المغادرة قد فاق ست مائة ألف! في حين تضاءل عدد الراغبين في الهجرة نحو إسرائيل بشكل ملحوظ.
تنامي الشعور في إسرائيل بالامتعاض اتجاه الإدارة الأمريكية لدفعها غير محسوب العواقب إسرائيل لخوض حرب تستهدف خدمة استراتيجية أمريكية لم تراعي فيها الإكراهات والضواغط الإسرائيلية. ومما يزيد الأمور تعقيدا بالنسبة للقيادة الإسرائيلية هو تضاءل ثقة إدارة بوش في كفاءة أولمرت وفريقه في تدبير الأمور في إسرائيل وشكها في مقدرته على الإرتقاء بأدائة السياسي إلى متطلبات الظروف التي نشأت في المنطقة بعد الهزيمة النكراء التي لحقت بإسرائيل في الحرب التي شنتها على لبنان. يضاف إلى هذا وذاك تبعات امكانية تفاقم التناقضات بين الأعضاء البارزين في إدارة بوش نفسه خاصة بين أليوت آبراهام وديك اتشيني الذين خططا مع جنرالات إسرائيليين للحرب على لبنان منذ عدة أشهر تنفيذا لأوامر بوش وفق ما ذكرته مجلة ذي نيويوركر وبين كوندوليزا رايس التي لم تكن جد متحمسة لتلك الحرب نظرا لعدم إحكام إعدادها ولعدم ملاءمة التوقيت الذي اختير لها.
وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن إدارة بوش سوف لن تسلم هي الأخرى من تبعات هذه الحرب العدوانية غير المبررة، إذ أن عداء هذه الإدارة السافر للعرب واستعمالها للنفوذ الأمريكي من أجل إطالة أمد الحرب قصد إلحاق أكبر الأضرار بالمدنيين اللبنانيين، قد أدى إلى تجذير عداء الجماهير العربية وتعميق نقمتها على الولايات المتحدة الأمريكية.
ومما عمق شعور كراهية العرب والمسلمين لجورج بوش ولإدارته وللولايات المتحدة خطاباته الخرقاء وتصريحاته البلهاء التي كان آخرها ذلك التصريح الذي وصف فيه المقاومة اللبنانية بأنها “فاشيستية إسلامية”.
ولا ريب أن الشعب الأمريكي الخير المتشبع بالقيم الديمقراطية والمثل الأخلاقية سوف يعاقب الإدارة الحالية على تلطيخ سمعة الولايات المتحدة الأمريكية وتشويه صورتها في العالمين العربي والإسلامي. وسوف يتقرر مصير إدارة بوش وصقور المحافظين الجد المتنفذين فيها خلال الاستحقاقات القادمة. والمؤشرات على ذلك هي الأصوات التي بدأت ترتفع في الكونكرس وفي المؤسسات الأخرى ضد سياسة بوش في الشرق الأوسط عامة وضد الحرب الهمجية التي أشعلها في لبنان كما كان قد أشعل حربي أفغانستان والعراق دون إحراز أية نتيجة تذكر.
ومن تداعيات هذه الحرب على مستوى الوطن العربي كون السيد حسن نصر الله أصبح رمز الصمود والبطالة وأضحى حامل لواء العزة والكرامة والتأهيل النفسي لأمة طالما كبلها حكامها ومنعوها من الدفاع عن نفسها ومن اعادة امتلاك ماضيها النضالي المجيد.
وسوف تصبح وجوه القادة العرب إلى جانب وجه السيد حسن نصر الله الصبوح وجوها شاحبة شائهة ومحتقرة لدى الجماهير والقوى الحية العربية.
وستصبح المقاومة على طريقة حزب الله في نظر الشعوب العربية والإسلامية وكافة المستضعفين في الأرض هي الوسيلة الناجعة الوحيدة التي ينظر إليها على أنها كفيلة بضمان التغلب على الأسلحة الفتاكة والمعدات العسكرية المتطورة التي تتوفر عليها قوى الظلم والتسلط وتستعملها لإخضاع الشعوب واستلاب مقدراتها ومواردها.
ومن الآن فصاعدا سوف تنظر الشعوب العربية باستهزاء وتهكم كبيرين إلى ما تدكسه أنظمتها من أسلحة وذخائر لن تستعملها أبدا اللهم ضد شعوبها، أما إسرائيل فهي في مأمن تام من تلك الأسلحة.
وإن ادعت هذه الأنظمة عكس ذلك فسوف ترد الشعوب على ذلك الادعاء بقول شاعرنا المشهور :
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا أبشر بطول السلامة يا مربع
والجدير بالتنويه أنه نتيجة لهذه الحرب فقد تجاوزت المقاومة اللبنانية والفلسطينية صبغتهما الطائفية واكتسبتا طابعا قوميا وحضاريا وإنسانيا أضحى هوية سياسية تحررية تتماهى معها الجماهير والنخب في العالمين العربي والإسلامي وغيرهما. فالتعاطف مع حماس والتماهي مع حزب الله لم يعودا يقتضيان الانتماء إلى هذه الطائفة الدينية أو تلك بل أضحى حزب الله يرمز إلى عقلية وسلوك وموقف ومقاربة في الحياة تتجاوز الطائفية وتتخطى التدين، فلم يعد حزب الله يرمز فقط إلى حركة إسلامية شيعية بل أضحى قدوة ومثلا يحتذى لكل الذين يعشقون الحرية ويرفضون الخنوع والاستكانة سواء كانوا سنيين أو شيعة أو مسيحيين أو علمانيين. وهنا يمكن الانتصار الساحق الذي حققه حزب الله وهنا أيضا يترسب فشل الإستراتيجية الأمريكية في تحقيق ما ترسمه لنفسها من أهداف نظرا لفجاجة الإدارة الحالية وسوء تقديرها للأمور.
وسيكون بطبيعة الحال لهذه الحرب تداعيات على لبنان ستطال مختلف أوجه الحياة فيه. فعلى الصعيد السياسي هناك احتملان واردان : لأول أن يصار إلى تحرير مزارع شبعا؛ وعندها لن يبق مبرر لاستمرار وجود حزب الله ككيان مسلح مواز للجيش اللبناني وخارج عن سلطته. ومن ثم فإن وحدة لبنان وتماسك مكوناته السياسية والطائفية تقتضي أن ينصهر الجناح العسكري للمقاومة ضمن الجيش الوطني اللبناني مع العمل على استفادة هذا الأخير من الخبرات العسكرية والدربة الميدانية والتقنيات القتالية التي اكتسبتها المقاومة عبر ممارستها الطويلة. وبعبارة أخرى يستحسن ن تعاد صياغة الجيش اللبناني وتعاد بنيته بحيث يستفيد من النمط العسكري الجديد الذي ابتكرته المقاومة حتى يكون هذا الجيش قدوة للجيوش العربية التي لم تعط الفرصة الامتلاك الحد الأدنى من الفعالية والجاهزية.
أما الجناح السياسي لحزب الله فبإمكانه أن يتفرغ لممارسة السياسة ضمن السياق الوطني ويسعى إن شاء إلى الوصول إلى الحكم عن طريق صناديق الاقتراع.
وأما الاحتمال الثاني فهو أن تمضي إسبرائيل في تلكؤها ومماطلتها وتستمر في احتلالها لمزارع شبعا وعندئذ فإن تجريد حزب الله من سلاحه وإهدار قدراته والتفريط في كفاءاته وتعبئته يعتبر خطأ كبيرا وغلطة تاريخية جسيمة ووخيمة العواقب إذ أن ذلك سيشجع إسرائيل على البقاء ليس فقط في مزارع شبعا بل وفي الجولان والضفة الغربية من فلسطين. في حين أن الابقاء على الجناح العسكري لحزب الله سيشكل كابوسا مريعا لإسرائيل من شأنه أن يحملها على الانكفاء والخروج من الأراضي العربية المحتلة بل وعلى التفكير في التوصل إلى حل متفاوض عليه مع اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين مما قد يساعد على إيجاد حل عادل للصراع العربي الإسرائيلي وعلى إحلال سلام دائم في منطقة الشرق الأوسط.
فالإسرائيليون والأمريكان، وهذا ما يجب وضعه في الحسبان، لا يفهمون إلا لغة القوة ومنطقها ولا يقبلون من المواقف إلا ما تمليه عليهم موازين القوى. فهم لا يقدرون الضعفاء ولا يعبأون بالمتخاذلين وهم بحكم ذهنيتهم المستمدة من تاريخهم الخاص يحتقرون من يهرول إليهم للارتماء في أحضانهم بقدر ما يحترمون من بإمكانه أن يلحق بهم الضرر أو ينزل بهم الأذى.
وهذا ما لم تفهمه الأنظمة العربية الجاثمة إلى حين على صدور الشعوب العربية. وأنى لها أن تفهم ذلك وهي ما هي!!
وتداعيات هذه الحرب على الصعيدين الإنساني والفكري بلبنان ستكون لافتة للنظر ذلك أن هذا البلد نظرا للمحنة الكبيرة التي مر بها سيعرف نقلة نوعية بالغة الأهمية سيكون من تجلياتها ما سوف تعرفه مكوناته الاجتماعية والطائفية والسياسية من التحام وانسجام نتيجة لانصهارها في أتون الحرب وارتفاع وعيها بوحدة المصير وضرورة التكاتف في مواجهة العدو المشترك من أجل بناء لبنان الذي هو للجميع.
لبنان الذي كان ينظر إليه بالأمس القريب على أنه منتجع ومنتزه للأغنياء ومحجة للباحثين عن الراحة والاستجمام من الأثرياء العرب وغيرهم قد انقلب إثر هذه الحرب إلى بلد صامد يعمره شعب مقاوم أعطى أروع مثال على الصبر والثبات والتضامن وتحمل الشدائد والشموخ والإباء. فبين عشية وضحاها تغيرت نظرة العرب إلى لبنان وإلى اللبنانيين بل وتغيرت نظرة اللبنانيين إلى أنفسهم.
فعلى أنقاض لبنان القديم سيقوم لبنان جديد سينظر إليه على أنه رمز البطولة وموطن الصمود، ومن ثم فإنه سيبعث من الآن فصاعدا في قلوب زواره الرهبة والتقدير والاحترام. وسوف يظهر في لبنان أدب الملاحم والبطولات وسيزدهر مسرح المقاومة والصمود وستولد سينما تمجد الرجولة والشموخ والإباء وستنمو فيه ألوان من الفنون وأنواع من الإبداع سوف تشكل أحد أهم روافد الإنتاج الفكري والعطاء الثقافي الملتزم في الوطن العربي.
وقد يكون لبنان هو اللبنة الأولى التي سوف ينتظم حولها الشرق الأوسط الجديد الذي يستجيب حقا لطموحات الشعوب العربية ويحقق فعلا رغبتها العارمة في الانعتاق من العسف والظلم والجبروت وفي التحرر من الهيمنة والاستتباع ويحقق آمالها في التمتع بالحرية والعدالة والديمقراطية مع كل ما تتيحه من عصرنة وتقدم وازدهار. وليس الشرق والأوسط الذي رسم ملامحه جنرالات أمريكيون وإسرائليون في دهاليز البنتاغون الرهيبة بهدف إخضاع هذه الشعوب والاستيلاء على مواردها وطمس هويتها الثقافية والقضاء على مقوماتها الروحية والحضارية. فشرق أوسط مثل هذا لن تقوم له قائمة أبدا وإن قام فسترفضه شعوب المنطقة رفضا باتا وتعمل بكل وسائلها على إزالته والإطاحة بأنصاره.
وإن للشعوب العربية أسوة حسنة بالشعب الموريتاني الذي أطاح في الثالث من أغسطس (آب) 2005 بالنظام الشمولي الذي ران على البلاد ربع قرن من الزمان ليقيم على أنقاضه حكومة انتقالية تنحصر مهامها في إحداث الإصلاحات السياسية والتغييرات الدستورية الضرورية لإرساء المؤسسات الديمقراطية التي سوف يمارس الشعب من خلالها حقه في الإشراف على تسيير شؤونه وفي أخذ مصيره بيده بواسطة ممثليه المنتخبين بكل شفافية ونزاهة. وهذا النوع من التحولات هو السبيل الأمثل إلى قيام الشرق الأوسط الجديد الذي تتطلع إليه الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى