التداعيات الأمنية و الإنسانية لأزمة شمال مالي على الصعيد المغاربي

إعداد: أ, محمد الأمين ولد الكتاب

الجذور التاريخية للأزمة

العوامل الإديولوجية و الجييو استراتيجية التي تكمن وراءها
تداعيات الأزمة على المغرب العربي و الفضاء المتاخم له

التداعيات الأمنية

التداعيات الإقتصادية

التداعيات السياسية

سبل مواجهة تنظيم القاعدة في المنطقة باعتباره أحد مسببات الأزمة

التداعيات الأمنية والإنسانية لأزمة شمال مالي على الصعيد المغاربي

إن مفعول الليبرالية الاقتصادية المتوحشة ووقع العولمة الزاحفة، وتأثير عودة الثنائية القطبية إلى المشهد الدولي، قد أفضت مجتمعة إلى حدوث تحولات إقليمية ملحوظة، لن تكون منطقة المغرب العربي في منأى عنها. ولعل أحد مسببات التحولات المحتمل حدوثها في الفضاء المغاربي هي الأزمة المتفاقمة حاليا في شمال جمهورية مالي المتاخمة للمجال المغاربي.
ولا بد في هذا السياق من تبيان أن هذه الأزمة ليست تلقائية ولا هي آتية من فراغ. بل إنها متأتية في الأساس عن تضافر حزمة من العوامل التاريخية والجيو ستراتيجية والسوسيو ثقافية والاقتصادية والإديولوجية وغيرها. ولا ريب أنه إذا لم تتم معالجة هذه الأزمة بالطرق الملائمة وفي الإبان المناسب، فسوف تكون لها، عاجلا أم آجلا، تداعيات بالغة الخطورة على فضائي المغرب العربي الكبير والساحل الصحراوي، بل على إفريقيا جنوبي الصحراء وعلى أوروبا وبقية العالم.
وسوف نحاول في إطار هذه الورقة أن نتعرض للعوامل الأساسية الكامنة وراء هذه الأزمة ثم إلى تداعياتها على البلدان المغاربية إذا لم يصر إلى معالجتها بالأساليب الملائمة وفي أسرع الآجال. وسوف نومئ في هذا المضمار إلى الطرائق التي نعتبرها كفيلة بمعالجة هذه الأزمة والتصدي بفعالية لما قد تستتبعه من نتائج وخيمة وخطيرة على أمن وسلامة واستقرار المغرب العربي الكبير في ظل الأوضاع الدولية المأزومة السائدة حاليا.

الجذور التاريخية للأزمة
لقد عاش العديد من قبائل الطوارق والقبائل العربية لردح طويل من الزمن في شمالي غرب افريقيا ضمن الحيز الجغرافي الذي يشمل المغرب العربي والساحل والصحراء، والذي كان يمتد على مليونين وخمسمائة ألف كيلومتر مربع. وكان الطوارق بشكل خاص يتواجدون بكثافة في جبال الآيير وسهل أزواك وصحراء تينيري بالنيجر حيث كان عددهم يربو على سبعمائة ألف نسمة في حين كانت قبائل طوارقية وعربية قوامها مليون نسمة تعيش في منطقة أزواد وآدرار إيفوغاس بشمالي مالي. وقد شكل هذا الحيز منذ القدم مجال انتجاع هذه القبائل، تجوبه ذهابا وجيئة بحثا عن الكلإ لمواشيها حسب التساقطات المطرية. ولم تكن تعرف ولا تعترف بحدود من شأنها أن تعيق انتجاعها الذي يقوم عليه نمط عيشها ويعتمد عليه اقتصادها.
وكان التواصل والتواشج بين الطوارق والعرب من جهة وبين القبائل الزنجية المصاقبة لها من جهة أخرى محدودين و ظرفيين نظرا لحواجز اللغة والثقافة وأسلوب العيش. بل كانت هناك بين الفسطاطين توترات وتنافر من النوع الذي ينشأ في العادة بين المنمين والمزارعين.
ولما قام الاستعمار الفرنسي قبل رحيله بخلق دول مختلفة كمالي والنيجر وبوركينا فاصو في منقطة الساحل الصحراوي، وجد الطوارق والعرب أنفسهم محشورين ضمن حدود خانقة لكيانات سياسية لا تقيم لهم وزنا وفي معزل عن بعضهم البعض. فلم يكن بإمكانهم التأقلم مع هذه الأوضاع الجديدة. فامتنعوا عن الاعتراف بهذه الحدود الاعتباطية ورفضوا قبول انتمائهم إلى هذه الكيانات التي أقامها الاستعمار الفرنسي دون استشارتهم ودون مراعاة مصالحهم الحيوية وخصوصياتهم المميزة.
ومنذ استقلال هذه الدول الساحلية في بداية الستينيات، عانى الطوارق والعرب فيها قسطا كبيرا من التهميش والإقصاء والدونية والحرمان من أبسط الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مما حملهم على شق عصا الطاعة والتمرد على السلطات المركزية بكل من بامكو وانيامى وإنشاء حركات تحررية مثل “حركة تحرير الآيير وأزواك” التي قامت بالنيجر سنة 1991 ومنظمة “الحركات الموحدة لتحرير أزواد” التي أنشئت بمالي سنة 1992.
وتلا قيام هذه الحركات المقاومة قمع شديد ومذابح مريعة طالت الطوارق والعرب على حد السواء في كل من مالي والنيجر، لعله كان من أفظعها مجزرة “تيشين تاباردن” بالنيجر سنة 1991. وتسبب القمع الوحشي الذي جوبهت به الانتفاضات الشعبية للطوارق بهذين البلدين في تشرد ونزوح أعداد كبيرة منهم نحو البلدان المغاربية المجاورة. وفي أواسط السبعينيات من القرن المنصرم أصاب منطقة الساحل جفاف ماحق قضى على جل الثروة الحيوانية التي يعتمد عليها الطوارق والعرب في معاشهم. فحل بالطوارق على وجه الخصوص فقر شديد حولهم إلى لاجئين يعيشون في مخيمات أقيمت لهم ببلدان الجوار وإلى متسولين يجوبون شوارع المدن الإفريقية بحثا عما يسدون به الرمق.
ثم توجه العديد من الطوارق الذين اضطرهم الخوف والجوع إلى الفرار من أوطانهم صوب ليبيا حيث قام العقيد القذافي باستقطابهم ودمجهم فيما كان يسميه الكتائب الإسلامية. وهناك تمت عسكرتهم وتدريبهم على استعمال شتى أنواع الأسلحة وممارسة مختلف أساليب القتال، ما أكسبهم دربة وخبرة قتالية بالغة الأهمية، سيكون لها ما بعدها.
العوامل الإيديولوجية والجيو استراتيجية للأزمة
تعتبر الأزمة المستفحلة حاليا في إقليم أزواد في شمال مالي والمرشحة فيما يبدو للإنسياح لتشمل كل منطقة الساحل الصحراوي وربما كل الفضاء المصاقب لها، أحد تجليات نزوع تنظيم القاعدة إلى التأقلم مع الضواغط والإكراهات الخانقة التي عانى منها في معاقله الأولى في أفغانستان وباكستان واليمن والصومال وغيرها ، عقب هجمات 11 نوفمبر 2001؛ والتي اضطرته إلى البحث عن قواعد لوجستية جديدة وملاذات آمنة بديلة تتيح له ممارسة ما يعتبره العمل الجهادي المبرر لوجوده ويوفر له إمكانيات الحصول على الموارد الضرورية لتمويل أنشطته المختلفة.
فعقب مقتل بن لادن وتضييق الخناق على التنظيم في أوكاره الأصلية، عمد هذا الأخير إلى إيجاد إطار جغرافي ملائم لطبيعة ومتطلبات عمله، فوقع اختياره اعتبارا من أواخر 2003 على منطقة الساحل الصحراوي حيث يمكن لم شعث مختلف المجموعات المتطرفة التي كانت تنشط ضمن الحيز الذي يشمل شمال موريتانيا والصحراء الغربية وشرقي تشاد ودارفور جنوبي السودان، في إطار كيان واحد أطلق عليه اسم “تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامية( AQIM) والذي يعتبر نفسه فرعا من منظمة القاعدة الأم.
والواقع أنه إذا كانت منظمة القاعدة التي مثلت في البداية كيانا يستهدف في الأساس محاربة الفكر اليساري والوقوف في وجه التوجه الشيوعي من خلال بث وترسيخ الإيديولوجية الأصولية وتعزيز السلفية الجهادية، قد تحولت مع مرور الزمن إلى شبكة أخطبوطية محكمة البناء نتيجة لعدة عوامل كان أهمها غضب العرب والمسلمين العارم حيال الدعم الأمريكي والغربي اللامشروط لإسرائيل وحيال احتلال العراق وحرب أفغانستان والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على غزة ولبنان فضلا عن الإساءات المتلاحقة إلى الإسلام ورموزه من طرف وسائل الإعلام الغربية، فإن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي قد يتحول هو الآخر من فرع جهوي للقاعدة الأم هدفه الحيلولة دون تفكك واضمحلال هذا الكيان المحاصر عالميا إلى ائتلاف منسجم ومتماسك من المجموعات القتالية التي تسعى مجتمعة إلى تشكيل أممية سلفية جهادية عابرة للحدود تتخذ من منطقتي الساحل الصحراوي والمغرب العربي وكل فضاء إفريقيا جنوبي الصحراء ساحة لنشاطاتها وممارساتها الإرهابية.
والظاهر أن التنظيم بقيادة المدعو المختار بن المختار قد شرع في الإعداد التدريجي الممنهج لتجسيد هذا المشروع مستفيدا في ذلك من حالة الفوضى والانفلات الأمني الذي تلا الثورات التي اندلعت ضد الأنظمة المستبدة في بلدان الشمال الإفريقي ومستغلا ظهور عصابات ما فيوية تمارس السطو والابتزاز وتمتهن التهريب والاتجار بالأسلحة والمخدرات عبر الحدود الشاسعة لبلدان المغرب العربي والساحل الصحراوي. كما أنه فيما يبدو قد عرف كيف يستقطب ويستتبع آلاف رجال الطوارق الذين عادوا إلى إقليم أزواد مدججين بأحدث أنواع الأسلحة بعد سقوط نظام العقيد القذافي. وعرف كذلك كيف يكسب ود وولاء العديد من الأهالي المحليين، عربا وطوارق، وكيف يستغل نقمتهم على النظام المالي ويوظفها لصالح أهدافه الخاصة. وبالنتيجة نجح إلى حد كبير في بسط هيمنته على “حركة أنصار الدين” و”الحركة الوطنية لتحرير أزواد” الطوارقيتين وكذا “حركة الجهاد والتوحيد في غرب إفريقيا” العربية إضافة إلى “حركة أبناء الصحراء للعدالة الإسلامية” التي أسسها سنة 2007 مجموعة من أبناء الولايات الجنوبية بالجزائر وخلايا سلفية نائمة ومجموعات جهادية أخرى عاملة في المنطقة مثل بوكو حرام التي تنشط في كل من النيجر ونيجيريا وغيرهما.
والهدف الاستراتيجي الذي ينشده التنظيم من وراء استقطاب كل هذه الكيانات وصهرها في بوتقة واحدة وتوحيد عملها، هو إنشاء أممية سلفية جهادية تبسط نفوذها على المغرب العربي والصحراء الكبرى والبلدان المتاخمة لها وصولا إلى إقامة إمارة دينية طالبانية في هذا الفضاء.
بيد أن التناقضات العميقة والحساسيات الشديدة الموجودة بين مختلف القبائل الطواريقية والقبائل العربية وبين هاتين المجموعتين والإثنيات الزنجية، لن يكون من السهل تجاوزها، بل إنها تشكل قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة. وهنا يكمن أحد أكبر المخاطر على السلم والاستقرار في المنطقة ، سيما وأن لكل هذه القبائل امتدادات في البلدان المغاربية والساحلية المجاورة لإقليم أزواد. وما يزيد الآفاق قتامة هو كون التوحد المرحلي لمختلف الحركات الجهادية قد لا يطول بل قد ينفرط عقدها وينزع بعضها إلى الخروج عن سيطرة تنظيم القاعدة كما هو الشأن فيما يبدو بالنسبة لحركة “التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا”، مما قد يفجر صراعات دموية بين مكونات هذا التنظيم ويؤجج نار الاحتراب في كل المنطقة.
تداعيات الأزمة على المغرب العربي والفضاء المتاخم له
إذا كان للتحولات التي عرفتها بلدان المغرب العربي انعكاسات ملحوظة على الأزمة المستشرية في إقليم أزواد، نظرا للروابط القائمة بين ساكنة هذا الإقليم والشعوب المغاربية، فإنه من المتوقع ولذات الأسباب أن تكون لهذه الأزمة تداعيات متعددة الأبعاد والتجليات على كل الفضاء المغاربي. وسوف نحاول فيما يلي أن نستعرض هذه التداعيات.

التداعيات الأمنية
إن استغلال نشوب أزمة أزواد من طرف تنظيم القاعدة وسعيه الحثيث إلى إقامة ملاذ آمن له في جبال آدرار إيفوغاس الحصينة وإرادته تكثيف نشاطاته المدرة للدخل المعهودة ضمن فضاء المغرب العربي والساحل الصحراوي وبلدان جنوب الصحراء ، سوف يستتبع حتما توسيع وتكثيف عمل العصابات الإجرامية العابرة للحدود والتي تتاجر بالأسلحة والمخدرات والسجائر والمؤن المختلفة والتي تمارس اختطاف الرهائن والابتزاز والسطو.
وسوف يسعى تنظيم القاعدة ما وسعه ذلك إلى تحريك وتفعيل بعض الخلايا النائمة التابعة له والمجموعات السلفية المتماهية معه من أمثال: “المجموعة الإسلامية المقاتلة الليبية” (LIFG) و”المجموعة المقاتلة الإسلامية المغربية” (MIFG) و”الجبهة الإسلامية التونسية” (TIF) و”الجماعة الموريتانية للدعوة والجهاد” (GMPJ)، للقيام بالقلاقل وأعمال العنف ومختلف صنوف “البلطجة” لخلق مناخ متوتر في البلدان المغاربية إضافة إلى الاعتداء على الأجانب بل وعمليات التفجير الانتحارية التي تستهدف مصالح الدول الغربية على وجه الخصوص.
ويرى بعض المراقبين أن تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي يعتبر تونس نقطة إستراتجية بالغة الأهمية بالنسبة له نظرا لموقعها الجغرافي ولكونها ترتبط بحدود طولها 1000 كيلومتر مع الجزائر وبحدود طولها 500 كيلومتر مع ليبيا.
ونظرا أيضا لصعوبة مراقبة تلك الحدود بسبب طبيعتها الصحراوية ما يسهل تدفق الأسلحة والمخدرات والتموينات الأخرى وتسلل المقاتلين الراغبين في الالتحاق بمعاقل القاعدة عبرها ثم عبر الحدود الموريتانية مع إقليم أزواد التي تربو هي الأخرى على 1600 كيلومتر. وأوضحت بعض الدراسات أن بعض المجموعات الأصولية المتشددة التي ظهرت في ليبيا خلال الثورة ترفض تسليم أسلحتها ما لم يصر إلى إقامة دولة دينية بالبلاد.
وقد أصبحت هذه الجماعات طرفا في تجارة السلاح العابرة للحدود الرسمية لما تملكه من روابط وصلات وشبكات تواصل مع الجماعات المسلحة العاملة في فضائي الساحل والصحراء انطلاقا من شمال مالي وصولا إلى النيجر ونيجيريا حيث تنشط مجموعات بوكو حرام والأنصار وموجاو وغيرهم.
وهذا التواصل والتنسيق والقدرة على اختراق حدود دول المنطقة يشكل تهديدا كبيرا للأمن الإقليمي والدولي.
التداعيات الاقتصادية
لا شك أن ما يقوم به تنظيم القاعدة من أعمال تخريبية ضمن المجال المغاربي سيكون خليقا بأن يلحق أضرارا جسيمة باقتصاديات البلدان المغاربية إذ أنه سيستهدف ضرب ما قد تصل إليه يده من منشآت وبنى تحتية اقتصادية. وسيسعى من خلال خطف الرهائن وترويع الأجانب إلى القضاء على السياحة وأعمال التنقيب والاستكشاف في المنطقة. وسيعمل على الحيلولة بكل الوسائل المتاحة دون إقبال الفاعلين الاقتصاديين الأجانب على الاستثمار في البلدان المغاربية من خلال تهديد وجودهم وعرقلة أنشطتهم وتخريب ما يقيمونه هناك من منشآت وآليات إنتاج. ولا ريب أنه سيكون من شأن ذلك إذا لم يتم التصدي له، أن ينعكس سلبا على وتيرة النماء الاقتصادي والتطور الاجتماعي والتكنولوجي والعلمي في البلدان المغاربية، وسيعيق بالتالي مسيرتها نحو الحداثة والتمدن.
التداعيات السياسية
لقد بات واضحا أن تنظيم القاعدة يبذل قصارى جهده لكي يختطف الثورات التي قامت في البلدان المغاربية ويحول مسارها نحو خدمة أهدافه الخاصة من خلال عرقلة الانتخابات الحرة الشفافة والحيلولة دون وضع دساتير تكرس الحريات الأساسية و من خلال الوقوف في وجه إقامة مؤسسات مدنية ديمقراطية؛ كما أنه سيسعى بواسطة ما يتوفر عليه من وسائل وأجهزة وآليات إلى إضعاف وتمزيق الحكومات التي أفرزتها الثورات في تونس ومصر وليبيا عبر صناديق الاقتراع وهو يرمي من وراء ذلك إلى إفشال الإسلام المعتدل ومنعه من التمخض عن أنظمة ديمقراطية تقبل الانفتاح والتعددية وتكرس العدالة والمساواة وفصل السلطات وعلوية القانون ومأسسة الحياة العامة. وذلك تمهيدا منه لإقامة نظام ثييوقراطي لا مجال فيه للحريات الأساسية والتعددية السياسية والفكرية. علما أن هذه الأهداف تتقاطع مع إرادة بعض القوى المهيمنة عالميا في عرقلة التحول الديمقراطي السلمي والتنمية الاقتصادية المستدامة والرقي الحضاري في المنطقة المغاربية بل وفي الوطن العربي والفضاء المتاخم له على وجه العموم.
وفي سياق متصل تجدر الإشارة إلى أنه نظرا لتشابك العلاقات وعمق الروابط والوشائج بين مختلف مكونات النسيج الاجتماعي في إقليم أزواد و بلدان المغرب العربي ونظرا لتناقضات شتى المجموعات النشطة في المنطقة بسبب انتماءاتها القبلية المختلفة وتوجهاتها السياسية المتصادمة ومرجعياتها الإديولوجية المتباينة، فإن من المتوقع أن تنشب صراعات وتحدث مواجهات بين بعض هذه المجموعات قد تتطور إلى نزاعات بينية حادة وحتى إلى حروب أهلية دامية من شأنها أن تدخل المنطقة في دوامة عنف وخيمة العواقب وسيئة الأثر على السلم الاجتماعي والاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي والاجتماعي ضمن المجال المغاربي برمته.
ومن هذا المنظور فقد أضحى لزاما على البلدان المغاربية والساحلية وبلدان إفريقيا جنوب الصحراء وشركاءها من البلدان الغربية التي تحرص على استتباب الأمن وصيانة السلام وتأمين الاستقرار في هذا المجال الجغرافي المترامي الأطراف أن تضافر جهودها لبلورة إستراتجية ملائمة للوقوف في وجه تنفيذ مخطط تنظيم القاعدة في هذا الفضاء. وينبغي أن تقوم هذه الإستراتيجية على انتهاج كل السبل الكفيلة بإفشال مخططات تنظيم القاعدة ومنعه من تثبيت أقدامه فيهذا المجال الذي استحوذ عليه في غفلة من الجميع.
سبل مواجهة تنظيم القاعدة في المنطقة بإعتباره أحد مسببات الأزمة
إن ثمة العديد من الوسائل والطرائق الكفيلة، في المديين المتوسط والطويل، أن تحد من اتساع نفوذ تنظيم القاعدة في منطقة المغرب العربي وجوارها وأن تجفف منابعه وتمنع إعادة إنتاجه لنفسه. وقد تتخذ هذه الطرائق عدة أشكال وتكتسي عدة أبعاد. فعلى الصعيد الجيو استراتيجي فإنها قد تتجسد في تكثيف التشاور في المجال السياسي وتوسيع التعاون الاستخباراتي وتعزيز التنسيق في المجال العسكري والعملياتي بين كل بلدان المنطقة وبين هذه البلدان وشركائها الدوليين.
وعلى الصعيد الاقتصادي فإنه ينبغي بلورة برنامج تكوين مهني وحرفي يستهدف الشباب بوجه خاص ويرمي إلى إقامة مشاريع واسعة في التشغيل والتوظيف تحد من تفشي البطالة وانتشار الفقر والفراغ واليأس وذلك بتمويل من البلدان الغنية والمؤسسات المالية الدولية.
وعلى الصعيد السيكولوجي والفكري يلزم العمل الممنهج للحد من الأمية الأبجدية والوظيفية والدينية والسعي الدءوب إلى تعميم التعليم ونشر الوعي والعقلانية وإشاعة فكر الوسطية والتسامح عن طريق كافة وسائل الإعلام والاتصال ومن خلال إشراك رجال الدين المتشبعين بروح الوسطية والاعتدال والانفتاح والتسامح.
وعلى الصعيد الجيو استراتيجي يجب تعزيز وتفعيل الفضاء المغاربي وتحويله من خلال إرادة سياسية حقيقية إلى كيان اقتصادي وسوسيو ثقافي متكامل ومندمج ومنسجم ومنافس لغيره من الكيانات المماثلة ولجعله نتيجة لذلك قادرا على إسماع كلمته وفرض إرادته على شركائه من دول الجوار ومن الدول الغربية باستعمال لغة المصالح ومنطق الربح والخسارة وصولا إلى حمل الدول الغربية على إعادة النظر –من منطلق حرصها على مصالحها- في مواقفها المتجاهلة لما يمارس ضد الفلسطينين من ظلم صارخ وما تتعمده وسائل الإعلام الغربية من إهانة للمسلمين ومقدساتهم، الشيء الذي يؤجج مشاعر الغضب لدى العرب والمسلمين ويدفعهم إلى البحث عن الانتقام من خلال التعاطف مع المجموعات السلفية الجهادية المستقطبة من طرف تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.
وليس هناك أدنى شك في أنه طالما استمرت إسرائيل في احتلال الأراضي العربية وتدنيس المقدسات الإسلامية في القدس الشريف وتهويد الأراضي العربية، وطالما تمادت الدولة العبرية في حصار غزة واغتيال واعتقال رموز المقاومة الفلسطينية وطالما استمرت أمريكا في تأمين تغطية دبلوماسية للعدوان الإسرائيلي وطالما استرسلت وسائل الإعلام الغربية في الإساءة المستفزة لمشاعر المسلمين، فستظل التنظيمات السلفية الجهادية التي هي وقود القاعدة قائمة، وستظل الملايين من العرب والمسلمين عبر العالم ترى فيها الرد الملائم على ظلم إسرائيل وغطرستها ودعم الغرب اللامشروط لذلك الظلم وتلك الغطرسة.
وبالإضافة إلى كل هذه الاعتبارات التي ينبغي أن لا تغيب عن الأذهان، فإنه بات كذلك من الضروري والملح أن توحد المجموعة الدولية جهودها لكي تجد حلا عادلا وعاجلا للأزمة المستشرية اليوم في إقليم أزواد. هذه الأزمة التي تسبب في نشوبها واستفحالها تمادي السلطات المالية -المفتقرة إلى الحكمة والتبصر- في تجاهل حقوق سكان إقليم ازواد المشروعة والتي يسعى تنظيم القاعدة بالمغرب الإسلامي اليوم إلى ركوب موجتها لبسط هيمنته على المنطقة، ليقيم بها دولة طالبانية ثيوقراطية تنتهج الإرهاب الفكري والعنف الدموي لمقاومة الديمقراطية وما تكفله من تعددية و من حريات وعدالة ومساواة وتسامح وانفتاح.

المصادر
“الأخطار والرهانات الأمينة في فضاء الساحل”
دراسة صادرة في نهاية يونيو 2012 عن مركز البحوث الأمنية
(I.G WORLD)المتعاقد مع البانتكون.
بعض الإصدارات لكل من :
مرصد الساحل والصحراء؛
The Institute for National Strategic Studies
(INSS)
The Center for Strategic And International studies (CSIS)
The Mali Crisis: a continental menace and playground for Jihadists –ADDIS standard by Fred. A.Eno
La Mauritanie et l’Azawad une série d’articles par Mohamed Yahdih Ould Breid Leil.
“أربع حركات جهادية تسعى لإعلان إمارة أزواد”.
Touaregs au Mali et au Niger, analyse géopolitique : articles dans l Encyclopédie universelle
دراسة للكاتب الصحفي المختص في الحركات الإسلامية: الأستاذ محمد محمود أبو المعالي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى