حتى يتم التفاهم والقبول بالآخر

إذا نحن نظرنا إلى النظام الذي يسود العالم في الوقت الراهن لاحظنا دون عناء كبير أنه يتسم بخلل متعدد الأبعاد والتجليات. فعلى الصعيد الاقتصادي نشهد نزوعا إلى قيام تكتلات وبروز فضاءات هي في اتساع مضطرد، كما نشهد نموا متزايد وسيطرة متعاظمة للشركات العملاقة العابرة للحدود وتدفقا عارما للراساميل واحتداما شديدا للمضاربات ضمن أسواق المال ومنافسة قوية بين الفاعلين الاقتصاديين مما حول العالم إلى حلبة صراع شرس بين مؤسسات المال والتجارة والصناعة الاخطبوطية يسودها منطق القوة الهوجاء مما أفضى إلى قيام داروينية اقتصادية واجتماعية لا هوادة فيها ولا مكان داخلها للضعيف.

وعلى الصعيد السياسي نرى أنه تبعا للأحادية القطبية التي عقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، فقد برزت دولة واحدة عظمى أحكمت سيطرتها على العالم وأخضعته لإراداتها وسخرته لمصالحها، وهذه الدولة هي كما يعلم الجميع الولايات المتحدة الأمريكية. ولابد قبل المضي في الحديث بهذا الصدد من التمييز بين الشعب الأمريكي العظيم المعطاء المتشبع بالقيم الرفيعة والمثل السامية وبين الإدارة الماضية التي أفرزتها قوى رجعية تمتاز بالأصولية والشمولية الفكرية.

وبسبب قصر نظر تلك الإدارة وسوء تقديرها للأمور ونزوعها إلى منطق القوة العمياء والتمحور حول الذات وتجاهل الآخر والإصرار على استصغار واستتباع بقية دول العالم فإنها قد أشعلت الحروب العدوانية الظالمة في العالم فأكتوت بلهيبها العديد من الدول نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر افغانستان، الصومال والعراق وعانى من ويلاتها الشعب الفلسطيني الذي تنكل به قوى القمع الصهيوني على مرأى من العالم بمباركة كاملة ودعم تام وتعاطف جلي من طرف الإدارة الأمريكية الراحلة التي كانت قد أحجمت عن إبداء أي  اعتراض على إخضاع الشعب الفلسطيني إلى العقاب الجماعي وإلى التجويع والتشريد وإلى معاناته من تطهير عرقي منظم وممنهج والأمر الأدهى من ذلك هو أن الدول الأوروبية رغم ما تصرح به من إيمان بالقيم الديمقراطية المتمثلة في العدالة وصيانة حقوق الإنسان وحق الأفراد والشعوب المشروع في العيش الكريم في أمن وطمأنينة لا تحرك ساكنا أمام الفظائع التي تدمي القلوب والتي تعاني منها الشعوب العربية بالعراق وفلسطين نتيجة للسياسات الأمريكية الخاضعة للإرادة الإسرائيلية وأوروبا رغم ما تصدع به من حرص على القيم والمثل الديمقراطية فإنها تظهر عدم اكتراث أمام المأساة التي يعاني منها الأطفال والنساء والشيوخ في كل من العراق وفلسطين لا يعادله إلا ضجيج شجبها وإدانتها لأبسط عملية مقاومة ينفذها مقاتلوا الحرية ضد قوات الاحتلال في العراق وفي فلسطين. فقتل مستوطن إسرائيلي جريمة لا تغتفر وقصف الأحياء المكتظة بالمدنيين العزل بالصواريخ وقتل العشرات منهم يشكل حادثا لا يستحق العناية وأي ردة فعل ضد هذا العمل تعتبر عنفا أعمى وإرهابا مقيتا.

أما على الصعيد الثقافي فثمة إرادة قوية عند القوى الغربية المتنفذة على الحلبة الدولية في فرض ثقافتها ونمط عيشها ومنظومة قيمها وذلك على حساب الثقافات الأخرى مما يدل على أن ظاهرة العولمة تشمل بعدا ثقافيا يتمثل في إرادة وطيدة لتنميط ثقافات شعوب العالم وصهرها في قوالب موحدة وصولا إلى القضاء على تنوع الثقافات وتعدد العادات والتقاليد وطرق الحياة التي تشكل مختلف تجليات التراث الحضاري البشري.

ونتيجة لهذا الانفصام الواضح بين المرجعيات الإيديولوجية والممارسات الميدانية وتبعا للقطيعة بين المنظومات القيمية والمسلكيات السياسية الملموسة فقد انعدمت مصداقية الإيديولوجيات التي كان يسود الاعتقاد أن بمقدورها إيجاد حلول ناجعة مرضية لمشاكل ومعاناة المجتمعات البشرية، فترتب عن ذلك إحباط ويأس حقيقيين لدى كل القوى الحية عبر العالم. ومن ثم طفقت تبحث لها عن أنماط فكرية ومسلكيات عملية بديلة وهكذا أمام إفلاس الإيديولوجية الشيوعية وإخفاقات الإيديولوجية الليبرالية. أمام تذبذب وتخاذل القوى المدعية للديمقراطية واعتمادها الكيل بمكيالين حيال قضايا تقتضي التجرد والموضوعية والنزاهة الفكرية تولدت مشاعر يأس وغضب عند العديد من القوى الحية عبر العالم وخاصة ضمن الفضائين العربي والإسلامي أدت إلى ظهور تيارات راديكالية متطرفة تحبذ العنف وتتخذه منهاجا وسبيلا لتغيير الأوضاع التي تعتبرها ظالمة والمترتبة على تجبر وغطرسة القوى العظمى الوحيدة المهيمنة على العالم، ونتيجة أيضا لتقاعس الأمم التي تدعي الديمقراطية وتصرح بالإيمان بالعدالة والحرية وحقوق الإنسان.

ومن هذا المنطلق لابد من القول أن ما نلاحظه اليوم من تطرف مفرط وعمل إرهابي جنوني وما نراه من دموية شرسة تقشعر لها الأبدان ويرفضها العقل إنما هو ردة فعل على ما تمارسه القوى العظمى الوحيدة المتنفذة في العالم اليوم من هيمنة وظلم يتمثلان في احتلال البلدان وتقتيل شعوبها ومن مناصرة للظلم والقمع ومن تزكيه لإرهاب الدولة ومن ممالأة للعقاب الجماعي ضد شعب بكامله.. ومن مؤازرة الأنظمة السياسية الشمولية الممجوجة المعادية للديمقراطية والرافضة للحريات وللمساواة بين الأجناس والأعراق والمتمادية على تهميش المثقفين واقصاء هيئات المجتمع المدني الرافضة للتدجين والاستتباع.

إن المعارضة الشديدة لهذه الأوضاع والرغبة الملحة في تغييرها وعدم توفر أي خيار لتغييرها بطرق سليمة قد ولدت القناعة لدى قطاعات واسعة من الناس خاصة في العالم العربي، ان السبيل الوحيد الكفيل برفع الظلم والقهر ووضع حد للغطرسة والجبروت هو اللجوء إلى العنف والنزوع إلى الصدام والنسف والتقويض.

وهذه الذهنية… والمقاربة المنبثقة عنها تشكلان الأرضية الملائمة لنمو الكراهية والبغضاء والعدوانية والإرهاب.

وبالمقابل فإن قيام نظام دولي جديد ينبني على ديمقراطية حقيقة للعلاقات الدولية وعلى تأمين الاحترام المتبادل بين الدول والحفاظ على سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها وكرامة شعوبها والإبقاء على خصوصيتها الثقافية وتراثها الفكري وهويتها الحضارية من شأنه أن يزيل التوتر ويضعف من حدة التناقضات وان يقود بالتالي كل الشعوب إلى إعادة امتلاك تراثها والانسجام مع ذاتها وإلى خلق الإحساس عندها بالأمن والطمأنينة وبالرغبة في الانفتاح والقبول بالآخر فيتوفر تبعا لذلك المناخ الملائم للتلاقح الفكري والإثراء المتبادل، وهذا بدوره سوف يمهد لحوار الثقافات وتلاقي الحضارات التي ليست سوى تجليات مختلفة للتراث البشري المشترك.

  • محمد الأمين ولد الكتاب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى