سبل مواجهة التطرف و مجابة الإرهاب

إن ما يجري اليوم أمام أعيننا من  عنف  و احتراب و إراقة  للدماء  في العالم العربي و إفريقيا ، مرده إلى مجموعة من العوامل لعل من أبرزها :

  • ظاهرة اللبرالية المتوحشة المعولمة و مطامع الدول الغربية االمتنفذة في السيطرة على خيرات و مقدرات الدول العربية و الإفريقية ، و استتباعها.
  • الاستبداد السياسي المفرط و غياب الديمقراطية و كبت الحريات.
  • انتشار  الفكر الأصولي  الظلامي بواسطة شبكة الفضائيات ذات الوسائل الوافرة و الرامية إلى الشحن الإيديولوجي و إذكاء الصراعات المذهبية  و التناقضات الطائفية المقيتة.
  • تجبر الكيان الصهيوني و مضيه في احتلال الأراضي العربية ورفعه لوتيرة تهويد الأماكن المقدسة بالقدس الشريف مع دعم الولايات المتحدة و الغرب لهكذا سياسة.
  • الإخفاقات الذريعة التي منيت بها كل الإيديولوجيات التي تبنتها النخب العربية  و الإفريقية لإقامة مشاريع مجتمعات متقدمة و تنافسية.
  • الفقر المدقع الناجم عن فساد الساسة و إهدارهم  لإمكانات و موارد بلدانهم.

ونتيجة لتضافرهذه العوامل، تم تمزيق  الصومال و العراق و السودان و سوريا  و ليبيا ، و ها هو اليمن يتمزق أمام أعيننا ، و هاهي ألسنة اللهب تمتد إلى مصر و البحرين  و السعودية  و الجزائر. ما قاد إلى تراجع و نكوص المشاريع الوحدوية  مثل مجلس التعاون لدول الخليج و الإتحاد المغاربي الذي بدأت بلدانه تشيد حواجز بينها لمنع تسرب الإرهابيين من بعضها إلى البعض !  كما تم على الصعيد الإفريقي تمزيق  مالي و تهديد أتشاد و النجر و ناجيريا و الكونغو ووسط إفريقيا و الحبل على الجرار.

 

فقط ثلاث بلدان على مستوى شبه منطقتنا استطاعت أن تحافظ على قسط معتبر من الاستقرار و الأمن و التماسك. و هي السنغال و المغرب و موريتانيا. فرغم قيام اضطرابات بين الفينة و الأخرى  في السنغال  و رغم اكتشاف خلايا إرهابية نائمة  من حين لآخر في المغرب  و رغم موجة السطو و الاختطاف  و الاغتصاب الغير مسبوقة  بموريتانيا، فإ ن هذه البلدان ما زالت تتمتع  على وجه العموم بالأمن و الاستقرار و السلم الاجتماعي، و مازالت  تقف في وجه انسياح التطرف و الإرهاب داخل أراضها.

لكن إلى متى  ستستمر هذه الوضعية ؟ ذلك ما ليس بالإمكان معرفته على وجه الدقة في الوقت الراهن. وكل ما الإمكان هو محاولة  تصور الطرق التي قد تكون كفيلة  بدرء مخاطر الإرهاب و تداعياته المدمرة.

و الذي نحن بصدده في  هذا المقام هو إلقاء بعض الأضواء على المخاطر التي تهدد أمن و سلامة و استقرار موريتانيا و التنويه بالجهود التي بذلت من أجل  تقوية الوسائل الدفاعية للبلاد و تحصين حدودها و إحكام المراقبة  على منافذها . ثم إبراز الطرق و الوسائل الكفيلة  بتقوية الأمن  الداخلي و الوقوف في وجه تمدد الإرهاب  و انسياحه إلى داخل الوطن.

و رغم أن البلاد تعرف اليوم، كما ذكرنا، تدهورا كبيرا لجهة الأوضاع الأمنية. إلا أن ثمة جهودا كبيرة جديرة بالتنويه، ترمي إلى تحصين حدود البلاد و مواجهة التنظيمات الإرهابية التي تعيث فسادا في شبه منطقتنا. و ذلك  نتيجة لسياسات حازمة، محكمة و فعالة  تمثلت أساسا  في إعادة تنظيم و تحديث و تجهيز و تسليح الجيش الوطني الذي أصبح يحسب له حسابه  على مستوى شبه المنطقة و الذي نال تقدير و احترام  بلدان الجوار و  الشركاء الأجانب ، و الذي باتت المنظمات الإرهابية تضعه في الحسبان. و آية ذلك نفي منظمة أنصار الإسلام منذ يومين لتصريح نسب إليها مفاده أنها تزمع مهاجمة التراب الموريتاني. و لا ريب  أن إحجام المنظمات الإرهابية  الملحوظ عن  مواجهة الجيش الموريتاني ناجم عن إدراكها  لما أضحى هذا الجيش يتوفر عليه  من سلاح و عتاد و دربة  ، إضافة إلى اعتقادها  الذي له ما يبرره أن موريتانيا لا تسعى إلى أكثر من  الدفاع عن حوزة أراضيا  و سلامة مواطنيها.و لا تهدف إلى الدخول في حرب أو نزاع مع أي كان.

لكن  هل هذا كاف لدرء مخاطر موجة الغلو و التشدد و التغول؟ و ما تقود إليه من اصطراع و افتتان و احتراب؟

الواقع أن هذا المجهود، على أهميته،  غير كاف لوحده وغير كفيل  بمفرده أن يسد الطريق  في وجه مشاريع  و أهداف  الغلاة  المتشددين و أطماع البلدان المتنفذة  الساعية إلى الهيمنة و الاستتباع و أجندات قوى الشر الشيطانية من صهيونية و ماسونية  و إلحادية.

فمواجهة هذه القوى الهدامة  تتطلب إضافة إلى  اتخاذ الترتيبات العسكرية الميدانية بلورة استراتيجيات ممنهجة  شاملة و متعددة الأبعاد.

فعلى الصعيد الفكري و الإيديولوجي:  يلزم التصدي بكل الوسائل  المتاحة للفكر الأصولي  الظلامي  المتطرف  الداعي إلى التزمت  و التضييق و التكفير و المناهض  للوسطية و التسامح و الانفتاح و الذي نشهد اليوم  تأثيره المأساوي على العديد من البلدان الإسلامية  و العربية بما فيها تلك التي بلورته و احتضنته و مولت  نشره  و انسياحه  حيث انقلب السحر على الساحر كما يقال و أكلت الثعابين مغذيها و مروضها الذي انطبق عليه المثل العربي : ” يداك أوكتا و فوك نفخ” ، “فلا هدى الله قيسا من ضلالتها و لا لعا لبني ذكوان إذ عثروا”  كما قال الشاعر !!.

وقد يتم الوقوف في وجه المد الأصولي  التكفيري  في بلادنا و- في غيرها – عن طريق توسيع نطاق  تدريس الوسطية الإسلامية  و توطيد العقلانية  و الروح النقدية  من خلال تدريس الفلسفة  و المنطق و العلوم الدقيقة و الرياضيات  . مع الوقوف الحازم عن طريق المحاججة و الإقناع  لا عن  طريق القمع في وجه  الإلحاد  و الهرطقة  و التهور و الاستهتار بقيم البلاد مثلها و ثوابتها.

و على الصعيد السياسي و المؤسسي: فإن من اللازم و الملح العمل دون تأخر ولا مواربة   على تقوية الجبهة الداخلية للبلاد من خلال إقامة حوار  جاد و بناء و نزيه بين كل الفر قاء السياسيين  المتواجدين على الحلبة الوطنية  ، و كذا إشراك  كل القوى الحية  من مجتمع مدني و شركاء اجتماعيين و فاعلين اقتصاديين، في صياغة مصير الوطن  و إقامة مشروع مجتمع يرى فيه الكل ذاته.

و على الصعيد الاجتماعي: فلا بد من تكثيف الجهود الرامية إلى توطيد الوحدة بين كل مكونات النسيج الاجتماعي الموريتاني و تعزيز التعايش و الانسجام  بين هذه المكونات  من خلال تحقيق العدالة  و المساواة  و الندية. ما يستلزم القضاء التام على كل مخلفات الاسترقاق  و كل مظاهر الدونية و أشكال الإقصاء و التهميش لأية شريحة من شرائح المجتمع.على أن تصاحب هذا التوجه  عزيمة فولاذية  حازمة لمواجهة الحركات المتطرفة  الساعية إلى بث الفرقة  و الشقاق و الكراهية  و العداء بين مختلف فصائل و شرائح الشعب الموريتاني  برعاية و مباركة من  الدوائر الصهيونية  و الماسونية و الكنسية الدولية المتذرعة بالدفاع عن الحقوق الإنسانية وصولا  إلى تحقيق أجنداتها الخبيثة.

على الصعيد الاستراتجي : ينبغي أن يستأنس البلد بما يجري في البلدان الأخرى  في ما يتصل  ببلورة رؤية مستقبلية  لسيرورتها  نحو مشاريع مجتمعات  ترتضيها و ترضيها. فلم يعد من الملائم اعتماد سياسات تقوم على  التلقائية و العفوية  و الارتجال . بل أضحى ضروريا، اليوم أكثر  من أي وقت مضى ، إنشاء و تفعيل آليات  تناط بها مهام التفكير  الإستراتيجي  و الاستشراف المستقبلي ووضع منهجيات  للتسيير الإستباقي الذي لا يستغني عنه صناع القرار  في تمثل و انتهاج السبل  الأسلم  و الأصلح  للمضي ببلدانهم  إلى بر الأمان  في سياق  تعصف به الأعاصير  الهوجاء المدمرة.

و خلاصة القول فإن الجهود المحمودة و الجديرة بالتنويه، في نظرنا، التي بذلتها سلطات البلاد من أجل مواجهة الإرهاب على الصعيد العسكري هي غير كافية. إذ أن الإرهاب إخطبوط متعدد الأذرع تطال أضراره شتى المناحي و المجالات، و من ثم فلا بد أن تكتسي مواجهته، هي الأخرى،  مختلف المظاهر و الأساليب و الأبعاد.

نواكشوط 10 يوليو2015

  • محمد الأمين ولد الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى