المشهد السياسي الموريتاني في الفترة ما بين 2013\2014

لقد أدى الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال محمد ولد عبد العزيز  ضد النظام المدني  للسيد سيدي ولد الشيخ عبد الله سنة 2008، إلى انقسام  الطبقة السياسية  الموريتانية  إلى فسطاطين  متصارعين  في حالة تقاطب و تدابر مستمرة. ما خلق انسدادا سياسيا و احتقانا اجتماعيا  تعذر معهما تلاقي الفرقاء و قيام حوار بينهم لبناء الثقة  و خلق المناخ  الملائم  للتوصل إلى بلورة حلول توافقية للخلافات القائمة بينهم.

فانقسم المجتمع السياسي و الرأي العام بالبلاد إلى قسمين متنافرين، قسم يمثل أحزاب الالغلبية الموالية لنظام محمد ولد عبد العزيز الذي تم انتخابه ديمقراطيا  بشهادة المراقبين الدو ليين  في 18 يونيو 2009، و قسم يمثل  أحزاب المعارضة  و الفاعلين الاجتماعيين و الجمعويين المتماهين معها. و لم يسمح اصطفاف الفرقاء  الشديد و تخندقهم المفرط بتوصلهم إلى تقارب في وجهات النظر يمهد لحد أدنى من التوافق  و التراضي  و العمل المشترك.فكانت أحزاب المعارضة الراديكالية تنادي برحيل النظام دون مواربة  و كان النظام و موالاته يسفهان رأي المعارضة و يشيطنان مواقفها و سلوكها.

بيد أنه رغم هذا النزوع إلى التلاغي  فقد أدت بعض الجهود الحثيثة  إلى قيام حوار بين  النظام و جزء المعارضة الذي تم نعته بالمعارضة المهادنة سنة 2011 ، تمخض عن بعض التعديلات  الدستورية و المؤسسية  وقاد على وجه الخصوص إلى تأجيل الانتخابات البلدية و البرلمانية  نزولا عند رغبة المعارضة كما تمت مراجعة السجلات الانتخابية  وإنشاء هيأة مستقلة للانتخابات و إقامة مرصد وطني لمراقبة الانتخابات  إضافة إلى حزمة من الإجراءات الإدارية أخرى كانت  المعارضة تطالب بها.

مهدت هذه الإجراءات لتنظيم  انتخابات بلدية و برلمانية تعددية جرت في 21 دجنبر 2013. شاركت في هذه الاستحقاقات أحزاب الموالاة المشكلة للأغلبية الرئاسية و العديد من أحزاب المعارضة المحاورة، أحزاب المعاهدة على وجه التحديد، بينما قاطعتها أحزاب المعارضة الراديكالية المنضوية في كتلة المنتدى الوطني من أجل الديمقراطية و الوحدة. ونتيجة لمشاركتها في الانتخابات حصلت أحزاب المعارضة المحاورة على عدد من المقاعد في البرلمان و على مناصب عديدة في المجالس البلدية.

وفي 21 يونيو 2014 تم تنظيم انتخابات رئاسية  مفتوحة أمام جميع المرشحين الحزبيين و الأحرار ، شاركت فيها الأغلبية الراسية  و المعارضة المهادنة و قاطعتها أحزاب المنتدى الوطني للديمقراطية و الوحدة المناوئة للنظام  و التي لاتعترف بشرعيته أصلا  ولا تثق في صدقيته . و بالنتيجة  أضحت هذه المعارضة الراديكالية خارج اللعبة  السياسية  في البلاد. فلم يعد لها وجود في المجالس البلدية  ولا في البرلمان و لا في المؤسسات الوطنية الهامة . و تقلص وجود المنتسبين إليها في المناصب الإدارية . ما أفضى إلى تهميش أحزاب وازنة  و ذات إشعاع وطني و إقليمي و تغييبها  عن الإسهام في تدبير الشأن العام. الشيء الذي لم يجد قبولا لا على الصعيد المحلي و لا على الصعيد الدولي.

و هذا هو ما جعل النظام يواصل الجهود و يبذل المساعي  من أجل إيجاد شكل أو آخر من الحوار يضم كل الفرقاء. وفي هذا السياق تم في أواسط شهر شتنبر 2015، تنظيم أيام تشاورية لتحديد شروط توافقية لإنطاق عملية الحوار الشامل  بين كافة الفرقاء السياسيين في البلاد. شارك فيها إلى جانب أحزاب الأغلبية الرئاسية  الموالية  بما فيها الحزب الحاكم، بعض أحزاب المعاهدة و شخصيات قريبة من أحزاب المنتدى  إضافة إلى العديد من الشركاء الاجتماعيين و منظمات المجتمع المدني و الفاعلين الاقتصاديين و النخب المثقفة و قادة الرأي و غير ذلك من الفعاليات الوطنية  المؤثرة.فظهر خلال هذه الأيام التشاورية  تيار قوي  يطالب بالحوار نهجا و اسلوبا في العمل السياسي و ذلك دون مكايدة و لا تلكؤ . فرأى بعض المراقبين في هذا التوجه الجديد إرهاصات لرغبة متنامية لتجاوز القوى السياسية الرافضة للحوار و مؤشر ملل لدى الجماهير من المراوحة و انسداد الآفاق .

 

 

و ليس من المستبعد أن تؤدي الضغوط  التي تمارسها القوى الحية و النخب الجمعوية  و قادة الرأي  و الفعلين الاجتماعيين و الشركاء في التنمية  على النظام و  المعارضة الراديكالية على حد السواء إلى رضوخ الجانبين  إلى الجلوس إلى طاولة الحوار لتجاوز الانسداد القائم و تخطي التقاطب  الموجود و صولا على تفاهمات  توافقية ترضي جميع الأطراف و تقود إلى حلحلة  الأزمة المستحكمة  و الخروج من عنق الزجاجة  إلى بر الأمان  وفقا للرغبة الأكيدة التي أظهرتها قوى البلاد الحية  وطالبت بوضعها في الحسبان. ولا بد للطبقة السياسية في للبلاد أن  تحسب لهذا التوجه الجماهيري حسابه و إلا فقد يتم تجاوزها و الصدود عنها.

نواكشوط 21 اكتوبر (تشرين أول) 2015.

د. لكتاب محمد الأمين

رئيس الشبكة الموريتانية لمراقبة الانتخابات (الرقيب)

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى