الديمقراطية و إشكالية التنمية في إفريقيا و الوطن العربي، رؤى استشرافية

 

 

التصميم

 

 

مقدمة

 ماهية الديمقراطية مصدرها و تطورها و ملامحها

مصدرها

تطورها

ملامحها

مثالب الديمقراطية و آليات تصويبها

مثالب الديمقراطية

آليات تصويب انزلا قات الديمقراطية

العلاقة الجدلية بين الديمقراطية و التنمية

الأسباب الموضوعية و الذاتية

النتائج المتوخات

النمو الاقتصادي: جدوائيته و مدى قدرته على إسعاد المجتمعات البشرية

ماهية النمو الاقتصادي

سلبيات النمو الاقتصادي

غياب الديمقراطية في البلدان الأفريقية و في الوطن العربي

الأسباب

النتائج

التغييرات الضرورية

نظرة إستشرافية إلى أوضاع البلدان الأفريقية و العربية

حتمية التحولات

ضرورة مماشاة التحولات

خلاصة

 

 

 

 

إن اهتمام النخب البالغ بالديمقراطية وتطلع الشعوب الكبير إليها يرتكزان على الاعتقاد الراسخ، الذي يكاد يصل لدى البعض حد اليقينية، أن هذا النظام بإبعاده السياسية والاجتماعية والفلسفية كفيل بحكم طبيعته أن يؤمن المساواة والعدالة ويضمن التكافؤ والندية والانسجام بين شعوب العالم بصرف النظر عن حجمها الديمغرافي ووزنها الاقتصادي والسياسي.

ويسود ا لاعتقاد الذي قد يرقى لدى البعض الآخر إلى مستوى الإيمان المطلق أن الديمقراطية مرتبطة على نحو جدلي مع الانعتاق وتحقيق الذات بالنسبة للإفراد وإنها متلازمة مع النمو الاقتصادي والتطور العلمي والازدهار الاجتماعي بالنسبة للشعوب.

 

وكثيرون هم أولئك الذين يجزمون اليوم بصفة قاطعة أن ما يعانيه معظم دول إفريقيا وجل أقطار الوطن العربي من تخلف اقتصادي واجتماعي ومن ركود فكري إنما هو ناجم عن غياب الديمقراطية في هذه البلدان.

 

وكون هذه المقولات تسترعي الانتباه وتبعث على التأمل والتفكير قد حدا بنا إلى القيام بهذه المعالجة لمحاولة الوقوف على صحة هذه المسلمات واستبطان درجة مطلقيتها. وبهذا الصدد نود بادئ ذي بدء أن نتساءل عن ما هي خصائص النسق الذي يعرف اليوم بالديمقراطية؟ وما هي ملامحه المميزة؟ وأسسه وآلياته؟  وما تجلياته؟ وهل هو نظام أوحد ما فتئ يستنسخ ويعاد إنتاجه على نفس الشاكلة منذ بروزه إلى الوجود أول مرة دون اعتبار للزمان والمكان؟ أم أنه نظام يرتكز على قواعد ثابتة وقيم محددة لكنه قد يكتسي أشكالا متنوعة؟ وهل صلاحيته لتوفير العدالة للشعوب وجلب السعادة لها مؤكدة ومطلقة أم أنها محل خلاف ونسبية؟

 

ولماذا قد أينعت الديمقراطية عند بعض الأمم واعتمدتها أسلوبا للحياة بينما تعذر استنباته لدى أمم أخرى من بينها البلدان الإفريقية والعربية ؟ وهل ستظل غائبة في هذه البلدان إلى ما لا نهاية؟ أم أن ثمة حركية جارفة ومنطقا موضوعيا قاهرا سوف يفضيان حتما إلى قيامها مهما كانت العراقيل والقيود الظرفية التي تعترضها ؟

 

الحقيقة أن التساؤلات التي تتوارد إلى الذهن في هذا المضمار لا تقف عند هذا الحد لكن لاعتبارات منهجية سنكتفي في معالجتنا هذه بملامسة المحاور التالية:

 

  • تحديد ملامح الديمقراطية الحديثة المصطلح عليها دوليا وفق معيارية معينة.
  • سبر العلاقة الجدلية القائمة بين الديمقراطية والنمو الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي.
  • قياس مدى مقدرة الديمقراطية على صيانة الكرامة الإنسانية وتوفير العدالة والمساواة بين أفراد الشعوب عبر العالم.
  • أسباب انعدام الديمقراطية في الوطن العربي وفي البلدان الإفريقية وتداعيات غيابها في هذه البلدان.
  • استشراف مستقبل الديمقراطية في البلدان الإفريقية وأقطار الوطن العربي.

 

1– ماهية الديمقراطية، مصدرها، تطورها وملامحها

 

الديمقراطية مفهوم مطاط وفضفاض لكنه يحيل عموما إلى كل نسق يقوم على التشاور والتداول و إشراك الناس في صياغة القرارات المتصلة بشؤون حياتهم. وقد يدخل في هذا الإطار مجالس الحكماء التقليدية عند القبائل الإفريقية وجماعات الأعيان والشيوخ ومجالس الشورى الأهلية عند المجتمعات العربية القديمة وما شاكل هذه الهيئات السلطوية وغيرها من آليات تدبير الشأن العام لدى شتى المجتمعات.

 

وهذا الشكل من الديمقراطية الغير مصنفة إن صح التعبير، ليس هو مناط اهتمامنا في هذا المقام وإنما تتوجه عنايتنا بشكل حصري إلى نمط الديمقراطية المقنن، الممنهج ، والمتعدد الأبعاد الذي اعتمدته معظم الأمم منهاجا للحكم السياسي وأسلوبا في الحياة الاجتماعية وطريقة في التدبير الاقتصادي.

 

وسوف نتعرض في هذا السياق لأهم التعريفات التي أعطيت لهذا النظام منذ ظهوره أول مرة في مدينة أثينا اليونانية في القرن الرابع قبل الميلاد. ولعل أول سؤال يتبادر إلى ذهن المرء وهو يحاول استكناه الديمقراطية هو : ما الديمقراطية بالضبط؟ وهل يمكن وضع تعريف دقيق وواف لها؟ أم أن تعريفها يتغير ويتسع حسب الزمان والمكان؟

 

أ- مصادرا لديمقراطية:

 

إن عبارة الديمقراطية عبارة يونانية ابتدعها وعمم استعمالها الفلاسفة وقادة الفكر السياسي اليونانيون وبالتحديد أفلاطون وأرسطو وبيركلس وهيرودوت، خلال القرن الرابع قبل الميلاد في أثينا وباقي المدن الإغريقية القديمة وتتألف الكلمة من شقين اثنين هما : démos وتعني الشعب أو الجماهير وkratos وتعني السلطة والحكم والتمكين. وكانت تحيل حسب ما ورد في كتاب “الجمهورية” لأفلاطون وفي كتاب “السياسة” لأرسطو وحسب كتابات المؤرخ هيرودوت إلى مشاركة المواطنين اليونانيين الذكور الأحرار في تسيير أمور مدينة أثينا وفق أسلوب وآليات محددة تخول لهؤلاء المواطنين المشاركة في صنع القرارات ومراقبة تنفيذها. وفي هذا الصدد قال أفلاطون في كتابه “الجمهورية” المشار إليه آنفا : “الديمقراطية هي نظام تكون فيه السلطة للشعب”.

 

الحقيقة أن البواعث العميقة على اعتماد هذا النظام من طرف قدامى اليونانيين كانت تكمن في إرادة مقاومة التعسف والاستبداد الفارسي الذين لكانوا يعانون منهما مع السعي إلى إعادة امتلاك الأثرياء والوجهاء للسلطة السياسية.

 

ب- تطور الديمقراطية

 

لقد اعتمد الرومان هذا النظام بعد أن كيفوه مع خصائص سياقهم السياسي والاجتماعي ثم انتقل إلى الشعوب الأوربية كجزء من التراث الإغريقي اللاتيني الذي تجددت العناية به خلال فترة الانبعاث والنهضة الاقتصادية والفكرية التي أعقبت تلك الفترة.

 

ولما جاء عصر الأنوار خلال القرن الثامن عشر وما واكبه من تطور للتجارة ومن اكتشافات علمية أسست للقفزات التقنية اللاحقة، ترتب عن ذلك اهتمام بحقوق الإنسان وإيمان بضرورة احترام كرامته ووجوب إشراكه في صياغة مصيره وصولا إلى إشاعة العدالة والمساواة بين كل أفراد المجتمع.

وكان هذا هو المنطلق الفكري والمرجعية الإيديولوجية التي أسست عليها الأمم الأوربية بشكل تدريجي منظوماتها القيمية ومعياريتها الأخلاقية. وهي التي استمدت منها حسب الاعتقاد السائد، مثلها ومسلكياتها وخصوصياتها الحضارية. فكل الشعوب الغربية تصدع الآن بالديمقراطية وتحرص على إعادة إنتاجها وتدعو إلى تعميمها على أوسع نطاق.

 

بيد أنه رغم اهتمام النخبة السياسية والطبقة المثقفة بالديمقراطية الحديثة منذ بداية اعتمادها كنظام في الحكم، فإنه لم يتم التوصل إلى وضع تعريف دقيق ومتفق عليه لهذا النظام.

 

ج- ملامح الديمقراطية

 

لقد عرف لاروس (Larousse)الديمقراطية بأنها : “النظام السياسي الذي يمارس فيه الشعب السيادة” وعرفها إيميل ليتري (Emile Littré) في الموسوعة التي وضعها بأنها : “النظام الذي يسمح بوجود مجتمع حر ومتساو حيث يتمتع العنصر الجماهيري بالنفوذ الأقوى”. وعرفها إتيان كابي (Etienne Cabet) في: “كتاب التاريخ الشعبي للثورة الفرنسية” بأنها: “النظام الاجتماعي والسياسي الأكثر ملائمة مع كرامة الإنسان وتطوره ومع النظام العام واحترام القوانين ومع سعادة كل المواطنين.” وقد حددها أبراهام لنكولن بأنها : “حكم الشعب للشعب من أجل الشعب” وذهب فرانسيس فوكوياما إلى حد القول بأن “الديمقراطية هي نهاية التاريخ ونهاية الإنسان” ولعل من الطريف في هذا الصدد أن المادة الأولى من الدستور الصيني المعد في 4 دجمبر 1982 قد نصت على أن “جمهورية الصين الشعبية تقوم على الدكتاتورية الديمقراطية”.

 

والجدير بالذكر في هذا المضمار أن بعض البلدان في إفريقيا وفي الوطن العربي قد بلورت نظما أسمتها بالديمقراطية رغم أنها لا تعتمد التعددية السياسية ولا الفكرية ولا تسمح بتداول السلطة ولا تكرس علوية القانون ولا فصل السلطات.

 

وقد يكون من التجاوز وصف هذه الأنظمة بالديمقراطية، ذلك أن الديمقراطية مهما تعددت تعريفاتها وتنوعت تجلياتها فإن جوهرها واحد لا يمكن تمويهه أو الالتفاف عليه دون أن يبدو ذلك واريا للعيان وهذا الجوهر يتمثل في :

 

  • التعددية السياسية والفكرية
  • الفصل بين السلطات
  • استقلال القضاء وعلوية القانون
  • صيانة الحريات الأساسية
  • التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة وشفافة ومفتوحة لكل التشكيلات السياسية.
  • وجود مؤسسات دستورية منتخبة تراقب وتساءل السلطة التنفيذية وتسهر على اعتماد الشفافية والحكم الرشيد في تدبير الموارد العامة.
  • وجود منظمات مجتمع مدني فعالة وغير مستتبعة.
  • وجود ثقافة ديمقراطية ووعي حقوقي راسخين.
  • تحرير حقيقي وتمكين فعلي للمرأة وصولا إلى إدماجها في الحياة الوطنية.

 

تلكم باختصار هي الملامح المميزة للديمقراطية الحديثة. إنما قد يتساءل المرء هل هذه الديمقراطية هي بالضرورة ودوما إيجابية في تطبيقاتها الميدانية؟ أم أنه قد يحدث أن  يكون ثمة انفصام وقطيعة بين المثل النظرية المصرح بها وبين الممارسات الفعلية على صعيد الواقع؟ أوبعبارة أدق هل للديمقراطية سلبيات ونواقص ومثالب؟

وإذا كان ذلك كذلك، فهل لها آليات تمكنها من تخطي هناتها والنهوض من كبواتها وتصويب أخطائها؟

 

2– مثالب الديمقراطية وآليات تصويبها

 

لا جدال في أن للديمقراطية الحديثة كنظام ذي أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وفكرية فوائد ومزايا جمة. ولكن لها أيضا هنات وانزلا قات لا تخلوا من الخطورة، بيد أنها قادرة بحكم طبيعتها على إفراز ميكانسمات لتدارك وتصويب تلك الانحرافات.

 

 

 

أ- إيجابيات الديمقراطية

 

لا يجافي الصواب من قال بأن الديمقراطية الحديثة هي أنجع طريقة عرفتها الإنسانية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتأمين المساواة وصيانة الحريات واحترام الاختلاف والتنوع وإشراك الجميع في إدارة الشأن العالم وتكريس التعددية في كل الميادين، مما يفتح المجال للحوار ألتناقضي بين كل مكونات المجتمع الواحد وبين الشعوب المختلفة وهذا هو أنجع طريق للتفاهم والتآلف والسلام بين هذه الشعوب.

 

ب- مثالب الديمقراطية

 

الديمقراطية كانجاز إنساني لا يمكنها أن تخلو من النواقص والسلبيات. وهذه النواقص قد لازمت الديمقراطية منذ نشأتها في مدنية أثينا خلال القرن الرابع قبل الميلاد إلى يومنا هذا. فالديمقراطية عند بروزها لم تأخذ في الحسبان إلا سكان أثينا الذكور الأحرار من ذوي المال والجاه والذين لم يكن عددهم يتجاوز آنئذ الأربعين ألف شخص في حين تجاهلت النساء والأجانب والعبيد الذين كانوا يناهزون 400 ألف نسمة.

 

ومن هنا يمكن القول بأن الديمقراطية الإغريقية كانت في الأساس ترمي إلى تخليص طبقة المواطنين الأحرار المتنفذين في المجتمع من سيطرة واستبداد الفرس مع إبقاء العبيد تحت الرق والاستمرار في تهميش النساء والأجانب. وعليه فإن الديمقراطية الأثينية قد كرست الانتقائية وازدواجية المعايير في تطبيق العدالة وتأمين المساواة كما وطدت نفوذ أصحاب المال والجاه ومهدت السبيل أمام العديد من المساومات والمقايضات القائمة على الفساد واستغلال النفوذ. وقد تنبه أفلاطون إلى هذه الانزلاقات حيث قال في كتابه ” الجمهورية ” : “الديمقراطية قد تنتكس وتتحول إما إلى فوضى وإما إلى استبداد”.

 

وبخصوص الديمقراطية الحديثة فقد قال شارل ألكسيس توك فيل Charles Alexis Tocqueville في معرض حديث له عن الديمقراطية الأمريكية إبان القرن الثامن عشر : “لقد عرفت الديمقراطية الأمريكية عدة موجات من الطغيان والتعسف”. وقال ابيير جوزيف برود ون Pierre Joseph Proudhon في كتابه “الثورة الاجتماعية من خلال الانقلاب” : “الديمقراطية كلمة أسطورية تعني محبة الشعب ومحبة الأطفال ولكن لا تعني حكومة الشعب”.

 

ومن المعلوم كذلك أن الديمقراطية الحديثة التي رفدها فلاسفة قرن الأنوار أمثال روسو وفولتير ومونتسكيو وغيرهم بكتاباتهم عن الحرية والعدالة وحقوق الإنسان والتي إمتحت من مبادئ الثورتين الفرنسية والأمريكية وما نادتا به من مثل وقيم سامية، قد غضت الطرف عن الغزو الاستعماري وأجازت احتلال البلدان وإخضاع الشعوب.

كما أن الأحكام الشمولية من فاشستية ونازية وغيرها قد ولدت من رحم الديمقراطية حيث اعتمدت على آلياتها من أجل الوصول إلى السلطة واختطاف الحكم.

 

كما أن الديمقراطية الفرنسية لم تمنع من خوض الحرب الاستعمارية في الجزائر وفي الهند الصينية وغيرها من المستعمرات. ولم تعارض قمع السلطات الاستعمارية الأهوج للمقاومة و لم تبد أدنى تعاطف مع المقاومين ومقاتلي الحرية.

 

ولم تثن الديمقراطية الولايات المتحدة الأمريكية عن شن حرب إبادة على الفيتنام ولا عن المضي في بسط نفوذها الامبريالي على معظم شعوب العالم المستضعفة.

 

ولا ترى الديمقراطية الأوربية والأمريكية في ما يبدو أي تعارض أو تناقض بين ما تقوم عليه الديمقراطية افتراضا من قيم العدالة والحرية والمساواة والندية وحق الاختلاف وسيادة القانون وقدسية الشرعية الدولية وبينما تمارسه هذه الدول من تسلط وهيمنة واستحواذ على موارد ومقدرات الشعوب المستضعفة.

وذلك بتجاهل تام للقانون الدولي ولمبادئ حقوق الإنسان والشعوب.

 

وقد أظهرت الحرب الظالمة التي شنت على العراق من أجل الاستيلاء على خيراته والقضاء على حضارته وبغية استتباعه، أظهرت استهتار الإدارة الأمريكية الحالية وجل الحكومات الأوربية بالمبادئ الأساسية التي تقوم عليها الديمقراطية كما أن بعض هذه الحكومات أبدت عدم احترامها حتى لإرادة الشعوب التي انتخبتها. وهذا تجاوز صارخ لما يتوقع أن تكون عليه الديمقراطية كمنظومة قيمية وممارسة ميدانية هدفها تحقيق أحلام الأفراد وترجمة تطلعات الشعوب إلى واقع ملموس.

 

هذه بعض الأمثلة على ما قد يعتري الديمقراطية من انحراف وجموح يشكلان انتهاكا للمبادئ والمثل والقيم التي يقوم عليها هذا النسق.

 

لكن هذه الانحرافات والخروقات مهما كبرت فإنه لا يمكنها أن تزهد في الديمقراطية أو ترغب عنها لأن الأنظمة الأخرى غير الديمقراطية لا توفر بديلا أحسن يمكن اللجوء إليه. ولعل هذ هو ما دفع بعضهم إلى القول بأن الديمقراطية هي النظام الأقل سوءا من بين الأنظمة السيئة الأخرى. ومهما يكن فإن بمقدور الديمقراطية أن تفرز آليات لتقويم انحرافاتها وتصويب تجاوزاتها.

 

ج- آليات تصويب انزلاقات الديمقراطية

 

إذا كانت الديمقراطية تعاني من نواقص وتهددها انزلاقات خطيرة، فإنها بالمقابل تتوفر على وسائل قوية وميكانيسمات فعالة لمعالجة ما قد يعتورها من نواقص وما قد يلحق بها من اخلالات. فثمة مؤسسات وهيئات وتنظيمات تقف بالمرصاد لكل انتهاكات لمبادئ الديمقراطية ولكل خروقات لقواعدها وقيمها.

 

فهناك لرأي العام الذي يمتلك وسائل ضغط هائلة على الساسة وصناع القرار من خلال استعمال المؤسسات الدستورية الرسمية، وثمة الصحافة والمثقفون من كتاب وفنانين وقادة رأي. كما أن الشركاء الاجتماعيين والمنظمات الجمعوية والتعاونيات والوداديات ومختلف فعاليات المجتمع المدني تشكل قوى ضغط لا يستهان بها ولا يمكن تجاهلها

إذ أن بمقدورها أن تدافع باستماتة عن إبقاء الديمقراطية موفورة ومصانة وأن تقاوم انحرافاتها وتجاوزتها وذلك عن طريق المظاهرات والاعتصامات والعصيان المدني . وهذه المؤسسات التي تفرزها الديمقراطية والعمل السياسي المتاح لها تشكل درعا واقيا لهذا النسق ووسيلة ناجعة لانتشاله من المطبات التي قد يتردي فيها وبلسما شافيا له من الأسقام التي قد تلم به  جراء العوامل والتأثيرات المختلفة.

 

3– العلاقة الجدلية  بين الديمقراطية والتنمية

 

لقد أصبح غنيا عن البيان وجود ترابط وتلازم طردي بين الديمقراطية والنمو الاقتصادي والاجتماعي.  ومرد ذلك إلى أسباب موضوعية وذاتية لم يعد يجهلها أحد. كما أن للنمو الاقتصادي ذاته فوائد جمة ونتائج ملحوظة تستحق العناية والاهتمام.

 

أ- الأسباب الموضوعية والذاتية

 

إن هناك ترابطا وتشابكا وتأثيرا متبادلا بين الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية للديمقراطية. فمبادئ الحرية والعدالة وعلوية القانون والشفافية والحكم الرشيد التي هي قوام الديمقراطية لها انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على النمو الاقتصادي للبلدان. حيث أن الحرية تفضي على الصعيد الاقتصادي إلى حرية المبادرة مما يفسح بدوره المجال أمام تفجير المواهب وتفتق الكفاءات وشحذ الهمم.

وتؤدي حرية التعبير هي الأخرى إلى طفرة الصحافة وتطوير وسائل الإعلام والاتصال السمعية البصرية والرقمية وإلى اتساع حركة التأليف والنشر والإبداع في كل المجالات بما لذلك من تأثير كبير على تطور مختلف القطاعات الاقتصادية.

 

كما أن ترسيخ العدالة يمهد لتوزيع متوازن للثروة مما يساعد على تحسين الدخل ورفع القوة الشرائية للمواطنين. وذلك من شأنه أن يعطي دفعا معتبرا للإنتاج وتنام للثروة الوطنية .

ويكفل إرساء علوية القانون الحماية للمستثمرين  ويساعد بالنتيجة على جلب رؤوس الأموال وتشجيع الاستثمار ومن ثم على خلق فرص العلم والتحسين المضطرد لمستوى الدخل.

والشفافية وحسن الحاكمية يؤديان بدورهما إلى الحد من الفساد  ومن نهب المال العام الشيء الذي يساعد على اعتماد تسيير معقلن لخيرات البلاد وترشيد مواردها وصولا إلى تحقيق توازن اقتصادي مستمر ونمو مضطرد يتيحان تحسين ظروف المواطنين عبر نفاذهم إلى الخدمات الأساسية بوتيرة متصاعدة.

 

ب- النتائج المتوخاة من النمو الاقتصادي

 

إن من شأن النمو الاقتصادي الذي يتكئ على الآليات التي توفرها الديمقراطية أن يفضي إلى نتائج نوعية ملموسة وتتمثل تحديدا في :

 

  • قيام البني التحتية الأساسية التي تشكل المرتكز الضروري لبناء قاعدة اقتصادية وتكنولوجية صلبة.
  • تمهيد الأرضية الملائمة لبناء اقتصاد متماسك ومتمحور حول ذاته.
  • توفير الشروط الضرورية لمواجهة التنافسية التي تقتضيها ظروف العولمة الآخذة في التفاقم.
  • بروز سياق سويسيو ثقافي يكرس إعادة الاعتبار إلى المواطن ويوطد ذهنية احترام النفس ويجذر ثقافة الاعتماد على الذات في مواجهة تحديات العصر.

 

4– النمو الاقتصادي : جدوائيته ومدى قدرته على إسعاد المجتمعات البشرية

 

إن ما يرغب في الديمقراطية ويحفز على السعي الحثيث إلى توطيدها هو اعتبارها عاملا أساسيا وشرطا ضروريا لتحقيق النمو الاقتصادي الذي ينظر إليه اليوم على أنه السبيل الأوحد لتقدم الأمم وتحضرها ورقي الشعوب وإسعادها. و قد جنح العديد من الناس إلى اعتبار هذه المقولة مسلمة غير قابلة للنقاش. فهل الأمر كذلك؟

قبل تدبر هذه المسلمة وإمعان النظر في مدى صحتها فإنه يجد التعرض ولو باقتضاب إلى تحديد ماهية النمو الاقتصادي سعيا إلى قياس جدوائيته وسبر مقدرته على إسعاد المجتمعات البشرية.

 

أ- ماهية النمو الاقتصادي

 

ليس من السهل على غير دوي الاختصاص إعطاء تعريف شاف لظاهرة النمو الاقتصادي الذي أضحى اليوم الضالة التي تنشدها كل أمم العالم. ولعل أبسط ما قد يقال بهذا الصدد هو أن النمو الاقتصادي عبارة عن نسق متعدد الأبعاد يقوم أساسا على اقتصاد متمحور حول ذاته، فطاعاته متكاملة ومتمفصلة بشكل معقلن ومتساوق بحيث تتضافر الزراعة والصناعة والتجارة والتكنولوجيا والخدمات في إطار سياق محكم التماسك قوامه المعارف الحديثة التي تدعمها المعلوماتية ويرفدها البحث العلمي والاكتشافات التقنية التي تستتبع قيام مجتمع معرفي متمدن. لكن هل هذا النسق هو إيجابي بشكل مطلق؟ وهل هو خليق بتأمين السعادة للأفراد ولازدهار والتآلف للمجتمعات؟ أم أن له هو الآخر سلبيات مؤذية وأضرار منغصة.

 

ب- سلبيات النمو الاقتصادي

 

يرتكز النمو الاقتصادي كما أومأنا إليه آنفا على حرية المبادرة التي قد تمت ترجمتها على الصعيد الاقتصادي إلى لبرالية لا حدود لها، تحولت مع الزمن إلى ممارسات وأساليب عمل هدفها الوحيد هو تحقيق أوفر ربح ممكن بأي ثمن ودون مراعاة أي اعتبار إنساني ولا وازع أخلاقي أو فلسفي. وهذا الأسلوب هو ما قد عرف بالليبرالية المتوحشة التي تقوم على استغلال رأس المال المفرط للإنسان وسيطرة كبريات الشركات المحتكرة العابرة للحدود على الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية. وبالنتيجة لم تعد الغاية القصوى للتطور التقني والتقدم العلمي والتراكم المالي هي إسعاد الإنسان والارتقاء به وتحقيق استقراره الاجتماعي واتزانه النفسي وإنما أضحت الغاية الوحيدة المنشودة هي تحقيق المزيد من الأرباح وتكديس المزيد من الأموال وتسخير الإنسان لخدمة تلك الغاية ولبلوغ ذلك الهدف. فترتبت عن هذه المقاربة أضرار بالغة لها أبعاد نفسية واجتماعية وأخلاقية وروحية ومؤسساتية وسياسية بل ووجودية كذلك.

 

فعلى الصعيد النفسي أدت الاضطرابات والتقلبات المتكررة للأوضاع الاقتصادية إلى هشاشة الظروف المعيشية لكل الفئات والطبقات الاجتماعية مما ولد شعورا متزايدا بالقلق والاكتئاب الشيء الذي يقود أحيانا إلى الإدمان على الكحول والمخدرات وإلى اللجوء إلى العنف والجريمة المنظمة الآخذة في الاستفحال في المجتمعات المتقدمة اقتصاديا.

وعلى الصعيد الاجتماعي فإن هكذا أوضاع غالبا ما تؤدي إلى التفكك الأسري وجنوح الأحداث وتشظي البنى الاجتماعية وانفصام أواصر القرابة بين أفراد الأسر وإلى تفشي الفر دانية ولانعزالية والوحدة.

وعلى الصعيد الأخلاقي والروحي فإن هذا الجو يساعد على اتساع نطاق التفسخ والإباحية والشذوذ الممنهج كما يعمق الإحساس بالعبثية والخواء الروحي والضياع.

 

وعلى المستوى المؤسساتي فقد صير تحت ضغط لوبيات صداميه صاخبة إلى مأسسة كل أشكال الانحراف وإلى تكريسها قانونيا. وعلى الصعيد السياسي والاستراتيجي فقد خلق هذا السياق الظروف الملائمة للعولمة وعمل على تسويغها وتقدميها كنظام عالمي طبيعي تمليه حتمية التاريخ التي أفترض أنها قائمة أصلا على منطق القوة وعلى ابتلاع الأقوى للأضعف.

وعلى الصعيد الوجودي فإن الجموح الذي يمتاز به النمو الاقتصادي اليوم في العالم الغربي المتطور تكنولوجيا، والوتيرة الجنونية التي يسير عليها، ودرجة استهلاك موارد الأرض وحجم الغازات السامة التي تنفث في الجو، ونتائج الهندسة الجينية التي امتدت إلى النباتات والحيوانات والتي هي في طريقها إلى أن تطال الإنسان إياه، هذا الجموح سوف يؤدي إلى إلحاق أضرار فادحة وراديكالية بالمناخ و الوسط البيئي  مما سوف يؤدي إلى الإخلال بتوازنهما وملاءمتهما لمقتضيات الحياة.

كما أن العبث بالتركيبات الجينية للمخلوقات بما فيها الإنسان قد تكون له تبعات لا يمكن التنبؤ بمضاعفاتها و لا تداعياتها.

 

كل هذه السلبيات وثيقة الصلة بنمط النمو الاقتصادي المرتكز على ما يعرف اليوم بالليبرالية المتوحشة. وإذا كان النمو الاقتصادي هو محطة على طريق تطور البشرية ومرحلة من مراحل ارتقائها الحضاري فإن له تأثيرات جانبية ومضاعفات ثانوية شديدة الخطورة ليس فقط على الجنس البشري ولكن أيضا على كوكب الأرض وقابليته للبقاء.

ولكن هل يجب أن يزهدنا  كل هذا في الديمقراطية وفي النمو الاقتصادي والاجتماعي والعلمي الذي من شأنها أن تكفله؟ الجواب هو طبعا لا. وقد وقفنا على تبريرات ذلك في سياق هذه المعالجة.

 

5– غياب الديمقراطية في البلدان الإفريقية وفي والوطن العربي

 

لا يختلف اثنان في أن الديمقراطية كما حددناها في ما تقدم ذكره هي معدومة بشكل شبه مطلق في الغالبية العظمى من البلدان الإفريقية وفي كل الاقتطار العربية باستثناء موريتانيا التي عرفت في الأشهر المنصرمة تجربة ديمقراطية رائدة جاءت نتيجة لتضافر ظروف موضوعية ملائمة وعوامل داخلية وخارجية مواتية.

فما هي أسباب انعدام الديمقراطية في البلدان العربية والإفريقية؟ وما نتائج ذلك  وتداعياته؟ وما التغيرات الضرورية لتجاوزه؟

 

أ- الأسباب

 

قد يكون من المجازفة ادعاء الإحاطة بكل العوامل والظروف الكامنة وراء غياب الديمقراطية في جل الدول الإفريقية وفي كل الأقطار العربية. وكل ما يمكن لغير المتخصص قوله في هذا المجال هو الجزم بانعدام الديمقراطية شبه التام في الفضاء ين العربي والأفريقي.

فالفضاء الإفريقي الذي يشمل 30 مليون كلم مربع أي ما يناهز

% 20 من مساحة المعمور والذي يضم 35 دولة يقطنها ما يربو على 900 مليون نسمة، لا وجود فيه للديمقراطية بمعناها الصحيح المتعارف عليه إلا في بلدان لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد الواحدة.

 

أما الفضاء العربي الذي يمتد  هو الآخر على مساحة تغطي 13،5 مليون كلم مربع تضم 22 قطرا تبلغ ساكنتها 300 مليون نسمة، فإنه لا وجود للديمقراطية الحقيقية فيه على الإطلاق! فإلى م يمكن رد هذه الظاهرة؟ هل مردها لأسباب انتربولوجية؟ أم سويسيو ثقافية؟ أم مناخية؟ أم دينية؟ أم أن أسبابها مرتبطة بعوامل خارجية وطارئة؟

 

الجواب الدقيق الموثق على هذه التساؤلات يقتضي بحثا شاملا ومتعدد الإبعاد ليس هذا محله. و إنما الذي يمكن قوله في عجالة في هذا المقام هو أن المجتمعات العربية والإفريقية مجتمعات أبوية ذكورية يسيطر فيها الأب على الأسرة والرجل على المرأة ويتمتع المسنون في المجتمع بنفوذ كبير. فالرأي رأي الأب والسلطة سلطة الرجل والنفوذ نفوذ الشيوخ وليس للنساء والشباب إلا دخل محدود في صنع القرار.

 

وتجد سلطة الأب ترجمتها على الصعيد السياسي في وجود الزعيم الوطني، أبي الأمة وحامي حماها الذي لا تجوز منازعة سلطته ولا تقبل معارضة حكمه ولا يرخص بانتقاد سلوكه وسياساته لأنها حكيمة ورشيدة بمقتضى صدورها عنه. وهذه السلطوية الذكورية الأبوية الاستبدادية تدعمها التقاليد الاجتماعية وتسوغها المعتقدات الدينية وتعمل المؤسسات الروحية المسيطر عليها سياسيا على إعادة إنتاجها واستدامتها. وتشكل هذه الأنساق أرضيات ملائمة لنمو وتجذر أنظمة شمولية قروسطوية تنتهج القمع والترويع والاستتباع منهجا في الحكم وطريقة في إدارة الشأن العام.

وتوطيدا لحكمها وترسيخا لسلطانها تحكم هذه الأنظمة قبضتها على مقدرات بلدانها فتسخرها للبقاء في السلطة والحيلولة دون إدخال أي تغيير أو تجديد خليق بتبديل الأوضاع القائمة.

وفي الغالب تحظى هذه الأنظمة الاستبدادية بدعم بعض الدول الامبريالية المتنفذة مقابل تبعيتها لها وتمكينها من استغلال مواردها.

 

ب- النتائج والتداعيات

 

إن فرض الاستبداد بالقوة ورفض التجديد والتغيير وتداول السلطة والإصرار على إقصاء قوى البلاد الحية وتهميش التشكيلات السياسية وتجاهل مختلف الفاعلين المتواجدين على الساحة ومحاولة عرقلة الحراك السياسي والاجتماعي لن يحول دون قيام الديمقراطية.

كل ما هناك أنه سوف يؤدي إلى الاحتقان والصدام وتفشي العنف وإشعال الحروب الأهلية. كما أن من شأن ذلك أن يقود إلى الركود الاقتصادي والتخلف الاجتماعي والانحطاط الحضاري. وهذه أوضاع ضارة للغاية لا تعود على البلدان إلا بالوبال والخراب.

 

 

ج- التغييرات الضرورية

 

في ظل العولمة وما أتت به من تكتلات كبيرة وفضاءات مندمجة ومن تنافسية شديدة ومن حتمية لتعبئة كل الموارد وإشراك كل القوى الوطنية من اجل تفعيل الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ودعم قدرتها التنافسية وجاهزيتها للصمود في وجه تحديات الحداثة فإنه قد بات من الضروري و من المستعجل :

 

  • تجاوز العقلية القروسطوية المتخلفة.
  • ترسيخ الثقافة الديمقراطية والوعي الحقوقي.
  • تحرير المرأة من قيود التبعية وإخراجها من وضعية التهميش والانزواء وحالة الانكسار والعمل على دمجها في عملية البناء الوطني.
  • إشراك القوى الوطنية الحية من أجل إقامة نظام سياسي وفكري تعددي يمهد إلى تكريس التداول السلمي للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع.
  • تعميم التعليم وتطوير البحث العلمي والإنتاج الفكري والإبداع الفني بهدف خلق مجتمع المعرفة الواعي والمتنور.
  • اعتماد سياسية الحكم الرشيد بغية عقلنة تسيير الموارد والمقدرات الوطنية وتأمين توزيع عادل للثروات.

 

إن اعتماد هذه التغييرات كفيل في تصورنا بتوفير الظروف المواتية لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستديمة والارتقاء المدني والحضاري ضمن الفضائيين الإفريقي والعربي.

 

6نظرة استشرافية إلى أوضاع البلدان الإفريقية والعربية

 

إن استمرار غياب الديمقراطية في كل من الفضائين الإفريقي والعربي مناف لمتطلبات الكيانات المشكلة لهذين الفضائين الواسعين كما أن هذا الغياب مناقض لمنطق الديناميكية الحتمية التي تخلقها نواميس التغيير ودواعي التجديد داخل تشكيلات تختزن طاقات متوثبة، تتلقى تأثيرات وضغوط خارجية كبيرة تستدعي ردود فعل ملائمة وتستتبع تحولات بنيوية عميقة تجب مماشاتها والتعامل معها بحكمة وتبصر.

 

أ- حتمية التحولات

 

تمتلك البلدان الإفريقية والأقطار العربية موارد طبيعية وثروات حيوانية وفلاحيه هائلة وتحتل مواقع جيو استيراتيجية هامة وتتوفر على مخزون بشري معتبر.  ومن خصائص ساكنة البلدان الإفريقية والعربية النسبة الكبيرة للشباب. وهذه العوامل يستحيل معها الركود والمراوحة في عين المكان.

فالموارد الطبيعية لهذه البلدان والمواقع التي تحتلها وما تثيره من إطماع خارجية من جهة والأعداد المتزايدة من الشباب المتعلم الواعي والمصمم على إعادة امتلاك خيرات بلدانه وعلى المشاركة في صياغة مصير أوطانه من جهة أخرى، كل ذلك يشكل عوامل سوف تتضافر حتما لتخلق حركية ذات عنفوان شديد من شأنها أن تدفع بقوة باتجاه التغيير والتحول والمضي الحثيث نحو أوضاع جديدة تسود فيها العدالة والحريات وتتاح فيها الفرص للمواطنين كافة لممارسات حقوقهم في تشكيل مصائرهم وتحديد مستقبل أوطانهم.

 

ج- ضرورة مواكبة التحولات الجارية

 

إن تدفق المعلومات المتعلقة بالاكتشافات العلمية بواسطة الانترنت وبث المشاهد المتصلة بالتحولات الاجتماعية عبر الفضائيات وقيام وشائج وثيقة بين كل البلدان بفعل العولمة قد خلقت مجتمعة الشعور لدى الشعوب الإفريقية والعربية بان التطور والعصرنة يشكلان حتمية لا مندوحة عنها وليس بالإمكان الوقوف في وجهها.

كما أنها رسخت الاعتقاد أن اعتماد الديمقراطية كنظام سياسي واقتصادي واجتماعي هو السبيل الأوحد إلى تحديث المجتمعات وتحقيق نموها الاقتصادي وازدهارها الاجتماعي والفكري.

 

ومن ثم فإنه قد أضحى من المستحيل على الأنظمة السياسية الشمولية في إفريقيا والوطن العربي أن تحول دون قيام هذا النظام. وكل محاولة من هذا القبيل هي عبارة عن سباحة ضد التيار ومجهود يائس لإيقاف عجلة التاريخ وتجاهل أبله لنواميس صيرورة الوجود.

 

فلم يعد هناك اليوم بد من الاختيار بين السير إلى الأمام بخطى متسارعة أو النكوص  إلى الخلف والبقاء على قارعة الطريق مما يعني الانحطاط والتخلف والوقوع تحت التبعية بكل إبعادها. وبعبارة أخرى فان العمل على منع قيام الديمقراطية في ظل السياق العالمي الحالي والمنطق الذي يحكمه، إنما هو انتحار سياسي عاجل أم آجل بالنسبة لأي نظام سياسي يتمادى في انتهاجه، ومن ثم فإن كل الإرهاصات والمؤشرات التي تلوح في الآفاق تنذر الأنظمة الشمولية بدنو أجلها وتبشر الشعوب الإفريقية و العربية بحتمية قيام الديمقراطية في بلدانها في المدى المتوسط ولن تحول مختلف العراقيل والمعوقات دون ذلك.

 

 

 

 

 

خلاصة :

 

إن ما يمكن استنتاجه من مختلف تعريفات الديمقراطية التي تم استعراضها في سياق هذه المعالجة هو أن هذا النظام من حيث جوهره يتمثل في التعددية السياسية والعدالة الاجتماعية والحرية الفكرية واللبرالية الاقتصادية. أما من حيث تجلياته فإنه قد يكتسي أشكالا تختلف حسب الزمان والمكان. وقد اتضح من خلال استبطان هذا النظام وإمعان النظر في تطبيقه على ارض الواقع أن بالإمكان حصول انفصام بين المبادئ والقيم والمثل السامية التي يرتكز عليها ذلكم النظام وبين الممارسات الميدانية لبعض البلدان التي تعتبره مرجعية فكرية وأسلوبا في الحكم وتدعي الالتزام  بمنظومته القيمية.

 

وقد تم كذلك الوقوف ضمن هذه المقاربة على غياب الديمقراطية في الأغلبية الساحقة من دول إفريقيا وأقطار الوطن العربي مما جعلها تعاني من استبداد أنظمة شمولية قد صادرت السلطة السياسية في هذه البلدان وأحكمت قبضتها على مواردها ومقدراتها ومن ثم حكمت على شعوبها بالتخلف الاقتصادي والانحطاط الاجتماعي والركود الثقافي والفكري.

 

إنما حسب المؤشرات والإرهاصات التي يمكن استشرافها فإن الاستبداد والانسداد لا محالة زائلان وأن الديمقراطية لا شك قادمة. ولذا فإن من الحصافة والحكمة مواكبة مخاضها والإشراف على مولدها والعمل على رعايتها وتبيئتها وتكييفها مع المقومات الحضارية والخصائص الثقافية الإفريقية والعربية.

 

فبدلا من فتح الباب على مصراعيه لنمط الديمقراطية الأورو- أمريكي دون الاحتراز من سلبياته وانجرافاته فإنه يجدر بالبلدان الإفريقية عموما ويتوجب على الأقطار العربية بشكل خاص بلورة نظام ديمقراطي يكفل الحرية والعدالة والمساواة لشعوبها بحيث يحول كلا منها إلى مجتمع متعلم منسجم مع نفسه متصالح مع حضارته وموروثة الفكري وقيمه الأخلاقية والروحية ومتفتح على العالم يأخذ منه ما يلاءم خصوصيته وذاتيته ويعطيه مما ينتجه ويبتكره.

وهذا هو الخيار الوحيد الذي يسمح لبلدان إفريقيا والوطن العربي أن يكون لها وجود متميز على الساحة الدولية وان تكون لها مساهمة مرموقة في بناء الحضارة البشرية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى