تجربة موريتانيا في مجال العدالة الانتقالية

تجربة موريتانيا في مجال العدالة الانتقالية

 

لقد اتضح بما لا يدع مجلا للشك ،أن العدالة الانتقالية كمقاربة متعددة الأبعاد ومرنة ، لتحقيق مصالحة جذرية بين المكونات المختلفة للشعوب التي عرفت تمزقا شديدا، بفعل النزاعات البينية والحروب الأهلية، وما ينجر عنها من توتر وعداء وتدابر، تكتسي أهمية بالغة، من أجل توفير المناخ الملائم لتحقيق السلم الاجتماعي، وتأمين التعايش والاندماج  في إطار سياق متماسك ينتهج سبيل النماء والتطور.

وذلك لاعتبارين اثنين.

أولهما أنها أنجع طريقة لتخطي الخلافات، بتوافقِ وتراضي كل أطراف النزاع، وتحقيق العدالة بينها وجبر الأضرار، والحصول على التسامح من قبل الضحايا بعد تعويضهم وترضيتهم، وتحديد المسئوليات فيما لحق بهم من أضرار.

وثانيهما أنها أقوم سبيل ، وأضمن وسيلة لبناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع،  وتسهيل انخراطها الطوعي في العمل المشترك ضمن مسار موحد، بهدف إقامة مشروع مجتمع تسود فيه المساواة والعدالة وقيم المواطنة ، وينبني على الحاكمية الحسنة والعقلانية والنجاعة.

والمسار الوحيد الذي من شأنه أن يؤدي إلى هكذا مشروع ، هو مسلسل التحول الديمقراطي.

ومن هنا نرى بكل وضوح  مدى التعالق القائم بين اعتماد العدالة الانتقالية وانتهاج سبيل التحول الديمقراطي.

وهذا ما لم يتم استيعابه ، وسبر كل تداعياته من قبل القوى الحية والفاعلين الجمعويين في منطقتنا العربية  إلا منذ العقود الثلاثة المنصرمة.

وهذه الوضعية تنسحب على موريتانيا، التي هي الأخرى،  لم تنتبه نخبها وفاعلوها الجمعويون والسياسيون إلى ما يتيحه اعتماد العدالة الانتقالية من إمكانيات لتخطي التجاذبات  والتوترات والتناقضات  التي طبعت المجتمع الموريتاني  منذ نشوء الدولة الموريتانية في بداية الستينيات

من القرن العشرين، والتي مردها إلى تركبة المجتمع الموريتاني الذي يتكون من أغلبية عربية وأقليات زنجية، مما أدى إلى نزاعات وتوترات بين النخب الموريتانية حول هوية البلاد الثقافية وتموقعها الجيوسياسي و انتمائها الحضاري.

وفي هذا الإطار تحديدا  تتنزل الخلافات التي وصلت أحيانا إلى درجة الأزمات الحادة  بين دعاة التعريب  ومناصري إعادة تأهيل الثقافة العربية  في البلاد، بعد محاولة طمسها من طرف المستعمر الفرنسي  من جهة، وبين أنصار الفرنكفونية من النخب الزنجية باعتبارهم إياها الحاجز في وجه هيمنة الأغلبية العربية،  و ما ينسبونه إليها من سعي  إلى استيعاب الأقليات الزنجية، وإذابتها وطمس خصوصيتها  ، وتهديد هويتها المميزة من جهة أخرى.

وقد أدى هذا التقاطب إلى عدة أزمات كادت أن تعصف بوحدة البلاد وبالتعايش السلمي الذي عرفته مكونات الشعب الموريتاني منذ بداية تواجدها في الحيز الجغرافي الذي تتساكن فيه منذ سالف العصور.

ولعل أشد هذه الأزمات حدة، وأكبرها وقعا ، هي تلك التي حصلت سنة 1989، والتي راح ضحيتها عشرات المواطنين، و كادت أن تفضي إلى حرب أهلية ماحقة وإلى نزاع مسلح مع دولة السنغال المجاورة.

وهذه الأزمة الحادة التي أدت إلى تهجير ما يربو على 500 ألف مواطن سينغالي من أصول موريتانية من السنغال إلى موريتانيا وما يزيد على 30 ألف مواطن موريتاني ممن اعتبروا ذوي أصول سنغالية إلى السينغال. و الواقع أن هذه الأزمة كانت نتيجة لتراكمات بدأت في أواسط الستينات عند ما انتفض بعضض الطلاب الزنوج احتجاجا على إدخال اللغة العربية في التعليم الثانوي. ثم استفحلت في أواسط الثمانينات، عند ما قامت مجموعة من الضباط الزنوج بمحاولة انقلاب عسكري ضد الحكم القائم آنذاك بهدف وضع حد لما وصف بهيمنة الأغلبية العربية، مما قاد إلى موجة من الاعتقالات وممارسة القمع والتعذيب والخروقات الجسيمة لحقوق الإنسان ضد المتهمين بالضلوع في التحضير للانقلاب ، وصلت أحيانا إلى حد التصفية الجسدية خارج نطاق القانون.

إلا أن قوى البلاد الحية ، من مثقفين وفاعلين جمعويين  وسياسيين وقادة الرأي، فضلا عن الفعاليات الدينية المنتمية إلى كل مكونات المجتمع الموريتاني، قد استشعرت الخطر المحدق بوحدة البلاد وكيانها، وقررت العمل سواسية من أجل احتواء الأزمة ، والسعي الجاد إلى معالجتها من جذورها.

واستبان الجميع أن أنجع مقاربة تتوسل لبلوغ هذا الهدف،  هي اعتماد العدالة الانتقالية  أسلوبا  لتجوز الخلافات ، واتخاذها سبيلا إلى بناء الديمقراطية، بما تتيحه من مساواة وعدالة وحرية وندية وحفاظ على حقوق كل مكونات الشعب الموريتاني، مع احترام التعددية و الغيرية ، والقبول بالتنوع في شتى أوجه الحياة الوطنية.

وتساوقا مع هذه المقاربة ، ونتيجة لجهود هيآت المجتمع المدني والفاعلين السياسيين، فقد اعتمدت السلطات الموريتانية في نهاية المطاف، سياسات كفيلة بتحقيق مصالحة وطنية عقيقية، وبتأمين الوحدة الوطنية الفعلية التي ينشدها الشعب الموريتاني بكل مكوناته،

فقررت اتخاذ الإجراءات التالية :

1 ـ إعادة كل اللاجئين الموريتانيين الذين تم أبعادهم سنة 1989 ومساعدتهم ماديا وإداريا في الاندماج مجددا في النسيج الاجتماعي.

2 ـ اعتراف الدولة رسميا  بمسئوليتها في تهجير مواطنيها إلى السنغال وما سببه لهم ذلك من معانات، و الإقرار بمسؤوليتها في وقوع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال الثمانينيات و الإعلان عن استعدادها لتعويض الضحايا وجبر ما لحق بهم من أضرار مادية ومعنوية.

3 ـ تقديم الحكومة اعتذارا رسميا لكل الضحايا المتضررين ولذويهم، وطلب الصفح الجميل منهم والتعهد لهم بمنع تكرار هذا النوع من الممارسات.

4 ـ إشراك الفعاليات الدينية والزعامات التقليدية المحلية و قادة الرأي المنتمية إلى كل مكونات المجتمع الموريتاني في تنظيم مراسيم تأبين للضحايا و إقامة صلات الغائب عليهم و الترحم على أرواحهم.

5 ـ إلتزام الدولة بصيانة الذاكرة لما  قد وقع من أحداث مؤلمة لمن سقطوا ضحية لها.

6 ـ إعلان يوم 25 مارس من كل سنة يوما للمصالحة الوطنية.

هذه باختصار شديد هي الإجراءات المستمدة من المساطر التي تقوم عليها العدالة الانتقالية مع اختلاف تجلياتها، والتي قادت إلى تهدئة الأوضاع بموريتانيا، وإلى إعادة بناء الثقة بين مكونات النسيج الاجتماعي الموريتاني، وساعدت على بروز هيآت جمعوية  ومؤسسات سياسية  وتنظيمات نقابية، تتخطى الاعتبارات الاثنية والعرقية الضيقة، وتعتمد البعد الوطني، وترتكز على الرؤى الفكرية وعلى المرجعيات الاديولوجية، والبرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، الكفيلة بضمان تثبيت دعائم مشروع المجتمع الحداثي، الذي يرتكز على توزيع العدالة وصيانة الحريات والحفاظ على حقوق المواطنين في كل أبعادها، والذي يأمل جميع الموريتانيين أن تكرسه و تجذره التجربة الديمقراطية القائمة، التي ولدت السنة الماضية بالبلاد بعد مخاض عسير طالت آلامه كل أطياف الجميع.

و خلاصة القول، فإنه قد بات من المؤكد، حسب ما أظهره  العديد من التجارب عبر العالم، أن العدالة الانتقالية، مهما تعددت تجلياتها، تشكل أهم المراحل الكفيلة بتسريع عبور الشعوب إلى الأنساق الديمقراطية، وهذا ما يجعل هذه العدالة في جوهرها، من أهم المقاربات الحديثة لمعالجة ما تسببه سياسات الأنظمة المتسلطة للمجتمعات من عنت و ويلات وما تجره  الحروب الأهلية على الشعوب من تمزق ومعاناة.

 

الرباط 18 أغسطس 2010

محمد الأمين ولد الكتاب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى