الطرق والوسائل الكفيلة بتطوير المدن الموريتانية القديمة الأربع

الطرق والوسائل الكفيلة بتطوير المدن الموريتانية القديمة الأربعة و الارتقاء بها إلى مستوى مقتضيات وضعها الدولي

 

من ضمن الأرصدة القيمة التي تتوفر عليها موريتانيا والتي لم يتم استثمارها على الوجه المطلوب ،

توجد المد ن التاريخية الأربعة : ودان ، شنقيطي ، ولاتة و تشيت  التي كانت منظمة اليونسكو قد قررت تصنيفها تراثا

بشريا.

 

هذه المدن التي شكلت لردح طويل من الزمن مراكز إشعاع فكري و روحي، والتي ما زالت تمثل براهن ساطعة على

المكانة الحضارية السامقة التي احتلتها بلاد شنقيط عبر التاريخ ، لم تحظ بما تستحقه من عناية و اهتمام من قبل

المصالح الوطنية المكلفة بالسهر على ترقيتها والعمل على الارتقاء بها إلى مستوى مقتضيات وضعها الدولي، المتمثل

في تصنيفها تراثا بشريا من طرف منظمة اليونسكو منذ أربع عقود دخلت.

 

ولقد أدى تواضع المجهودات التي بذ لت من اجل النهوض بهذه المدن التاريخية العريقة ، التي تعد تراثا وطنيا وعالميا

إلى انكماش وتقوقع طالا جميع أوجه الحيات في هذه المدن. وحيال هذا الإهمال البين هددت منظمة اليونسكو بالعد ول

عن تصنيف هذه المدن ضمن التراث الإنساني، بل وشطبها من قوائم المواقع التراثية المصنفة إنجازا حضاريا للبشرية.

وعليه فإنه  قد بات من الضروري أن يعمل بالسرعة المستطاعة ليس فقط على تلافي هذه الوضعية المقلقة بل وأن

يعمل أيضا على الحفاظ على الوضعية الدولية لهذه المدن والحرص على جعلها مدعاة فخر واعتزاز للبلاد وعامل تقدم اقتصادي و اجتماعي ومصدر إشعاع فكري وروحي لها تجاه العالم.

 

ولهذا الغرض تلزم المبادرة ببلورة إستراتيجية محكمة تستهدف تحقيق ترقية متعددة الجوانب والأبعاد لفائدة هذه المدن

التي طالما عانت من الخصاصة والهشاشة و الانزواء نتيجة لضعف ما أحيطت به من عناية .

إن إعادة تأهيل هذه المدن ود فع الأنشطة التنموية المفضية إلى التطور الاقتصادي والرقي الاجتماعي داخلها كل ذلك

يتطلب خلق حركية متسقة ترتكز على مجموعة من الآليات تعمل على نحو منسق ومتكامل يستتبع نتائج إيجابية

وتداعيات حميدة متعددة  الأشكال والأبعاد، على أن تشكل هذه الآليات مجموعة من الرافعات ذات المفعول والأثر

الملموس على مختلف أوجه الحياة ضمن هذه المدن .

 

ويتعلق الأمر ب :

1 ) الرافعة الاقتصادية وتتجسد في :

ـ   فك العزلة الجغرافية عن هذه المدن من خلال إعادة تأهيل وتقوية الطرق المؤدية إليها وتوفير وسائل النقل الملائمة

والكفيلة بتسهيل تنقل الأشخاص والبضائع من والي تلك المدن.

ـ  ترقية وتأطير ودعم المنظمات الجمعوية من تعاونيات للنساء والفلاحين والمنمين والحرفيين وكافة الفاعلين الاجتماعيين المحليين .

ـ  توفير التسهيلات من جمع ونقل وتسويق المنتجات الفلاحية والصناعية وغيرها المنتجة محليا.

ـ  تشجيع و دعم مختلف الأنشطة المحلية المدرة للدخل مثل : الحياكة ،والطرز ، والنجارة  ، والتبريد وتحويل المواد الغذائية وذلك عن طريق توفير الكهرباء والماء والخبرات الضرورية .

 

2) الرافعة السوسيوثقافية و التي تتمثل في العمل على :

ـ  إعادة تنظيم وعصرنة المحاظر المحلية التي يجب أن تصبح في ذات الوقت مؤسسات لتأبيد المعارف التقليدية

و بؤرا للتكوين المهني والتأهيل الحرفي. ولهذا الغرض ينبغي أن تضم كل محظرة مشغلا ومركزا للتدريب

و التكوين المهني لإعداد اليد العاملة الماهرة و العمال المتوفرين على مختلف الخبرات التي تتطلبها الحيات

اليومية.

ـ  إنشاء و تفعيل دور محلية للثقافة متعددة الوظائف تشتمل تحديدا على :

ـ  متحف محلي تعرض فيه القطع الأثرية و التحف والمعدات التقليد ية والأدوات الحجرية والخزفية وغيرها

من الآلات التراثية .

ـ  وحدة لمعالجة و ترميم المخطوطات القديمة.

كما يلزم:

ـ  إقامة وإعداد وتجهيز أضرحة المشاهير من الأعلام والأولياء الموجودين في كل من المدن الأربعة . وذلك

تشجيعا للسياحة الثقافية وتسهيلا للزيارات الروحية التي يرغب أن يقوم بها مريدو و حفدة ومحبو هؤلاء الأعلام.

ـ إنشاء مراكز مختصة في إحصاء وصيانة وتنمية الثروة النباتية والحيوانية الخاصة بكل من المدن الأربع مع

إبلاء عناية خاصة للنباتات الطبية المحلية.

ـ  إعادة إحياء وترميم المكتبات المحلية من خلال إعطائها ما يلزم من دعم، و استغلال الكنوز البشرية الحية

حفاظا على ما هو بحوزتها من تراث شفهي مهد د بالاندثار.

ـ  تشجيع و مواكبة ومهننة الفلكلور المحلي و كذا الفنون التشكيلية  وفنون الخياطة والألعاب التقليدية و الأهازيج

الشعبية و فنون الرقص و فنون الطبخ و العادات الغذائية في كل من المدن الأربعة.

ـ تنظيم موسم سنوي في كل واحدة من المدن الأربعة يصادف و يخلد تاريخ تأسيسها.

 

على أن توفر هذه التظاهرة السنوية فرصة و مجالا لإجراء المبادلات التجارية و تنظيم الفعاليات الثقافية والفنية

التي من شأنها أن تؤمن مرد ودية و مدا خيل معتبرة لهذه المدن .

وتنظيم هذه المواسم السنوية ينبغي أن لا يقتصر على المدن الأربعة بل يحسن أن يشمل أهم مواقع البلاد التاريخية

الأخرى و ذلك من أجل إحيائها  وجعلها محجات يؤمها الزائرون من كل صوب وحدب وصولا إلى تحويلها مع

الزمن إلى أقطاب إقتصا دية جهوية تساهم في دفع عملية التنمية في البلاد.  ولعل أهم  هذه المواقع هي :

ـ  أزوكي (عاصمة المرابطين الأولى ومدفن الإمام الحضرمي رحمه الله )

ـ  مكسم أبوبكر بن عامر (أوابن عمر ) مؤسس إمبراطورية  المرابطين و الذي يمكن أن يحول مدفنه إلى ضريح

ذي بعد وطني بل جهوي. يقام حوله موسم سنوي يستقطب  الزوار و الفعاليات الاقتصادية من داخل البلاد و خارجها .

ـ  أوداغوست :  التي هي أحد أقدم مدن صنهاجة  وأحد أكبر المراكز التجارية الصحراوية فضلا عن كونها أهم

فضاءلت التساكن و التمازج العرقي والتلاقح الحضاري في شبه المنطقة .

ـ  كونبي صالح : عاصمة امبراطورية غانا العريقة التي شملت حيزا من فضائنا الوطني .

 

هذه التظاهرات و ما قد تستتبعه من نتائج وتداعيات سوف تشكل عوامل فعالة للتنمية الاقتصادية و الاندماج الاجتماعي

والتفاعل الثقافي والفني.

 

3 ـ  الرافعة التواصلية : من أجل وضع هذه المدن تحت دائرة الضوء و جعلها محط أنظار العالم فإنه يتوجب القيام

بحملة إعلامية ممنهجة تستهدف تسليط الأضواء الكاشفة على هذه المدن وعلى مراحل تاريخها وعلى ما تتوفر

عليه من تراث مادي و غير مادي.  مما يستدعي استعمالا مكثفا للشبكة العنكبوتية و تنظيم حملات ترقوية تعتمد على

مختلف الآليات و النواقل الدعائية و الإشهارية المادية (قمصان ، و حا ملات مفاتيح وقبعات و غيرها ) و

الإلكترونية (مواقع الإنترنت ، الفواصل الدعائية المتلفزة ، البرامج التلفزيونية )

 

4 ـ  الرافعة المتمثلة في توسل التعاون الدولي :

ويتجسد ذلك في :

ـ  البحث عن مساعدة و دعم المانحين و الرعات و فاعلي الخير و المؤسسات الدولية المهتمة .

ـ  السعي إلى إقامة توأمات مع مدن أجنبية يؤمل منها إسداء  دعم وتوفير مساعدات للمدن الأربعة .

 

تلكم بإيجاز هي الجوانب الأساسية لإستراتيجية متعددة الأبعاد من شأنها إن هي نفذت على الوجه

المطلوب أن تعطي دفعة معتبرة للحياة الاقتصادية و السوسيوثقافية و الفنية على مستوى المدن

الموريتانية الأربعة المصنفة تراثا بشريا من طرف اليونسكو، و التي تواجه الآن احتمال إعادة نظر

اليونسكو في هذا التصنيف بل وشطب هذه المدن من قائمة المواقع التي تعتبر تراثا حضاريا إنسانيا إذا لم

يتم بذل المجهودات الضرورية للارتقاء بها إلى المستوى المطلوب وفق معايير اليونسكو

وشروطها.

وعليه فإن من الضروري الإسراع بتوفير كل الشروط و اتخاذ كل الترتيبات و تعبئة

كافة الوسائل للحفاظ على الوضعية الدولية لهذه المدن. كما أن الكل يأمل أن تكون هذه المدن عامل

تنمية وتقدم للبلاد و د ليلا حيا يجسد ويؤبد المكانة الثقافية و الروحية المرموقة التي ميزت بلاد

شنقيط عبر العصور و التي يرجى أن تكون ميسما لموريتانيا الغد التي هي قيد البناء و التي

يحلم الموريتانيون المخلصون  بأن يروها و قد تم تقويم إعوجاجاتها  وتنقية ما قد علق بها من أدران خلال

العقود المنصرمة.

 

نواكشوط  21 سبتمبر 2010

 أ.محمد الأمين ولد الكتَاب

رئيس مجلس إدارة الهيأة الوطنية لحماية المدن القديمة

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى