تصور حلول عادلة للقضية الأزوادية

أود كمدخل للتحدث حول هذا الموضوع،أن اقول إن أول اطلاع لي على قضية المجموعات الطوارقية و العربية  التي تعيش في شمال غرب إفريقيا يعود  إلى بداية السبعينيات عندما كنت طالبا في الجامعة حيث اطلعت على أن هذه المجموعات كانت تعيش منذ عدة قرون في تواصل و تكامل ضمن الفضاء الجغرافي  الذي يضم منطقة أزاد و آدرار إيفوغاس  بشمال مالي و منطقة أزواك وجبال الآيير و صحراء تنيري  بالنيجر، إلى أن بسط الاستعمار الفرنسي نفوذه على هذا  الحيز الجغرافين في أواخر القرن التاسع عشر ، وقسمه وفق مصالحه إلى دول مختلفة ، ألحق بكل منها قبائل طوارقية و عربية على نحو اعتباطي و قسري.

ورفض العرب و الطوارق هذا الإجراء التعسفي الإستعماري الذي لم يستشاروا في انجازه. و شكل هذا الرفض أول إرهاصات الانتفاضات و الثورات  المتلاحقة التي سيقوم بها العرب و الطوارق دفاعا عن وجودهم  ابتداء من خروج الإستعمار من المنطقة. و مما زاد اللطوارق و العرب تصميما في المضي في انتفاضتهم هو غباء و غلظة  و تسلط الأنظمة التي قامت في كل من مالي و النيجر  بعد رحيل الاستعمار ألفرنسي  و التي واجهت مطالب و تطلعات و آمال  الطوارق و العرب بالعنف الأهوج و القمع الدموي و الترويع و التقتيل.  فكان ذلك بداية دوامة العنف و العنف المضاد التي ما زالت سارية الى اليوم.

وقد كنت استهجن و استنكر ما كان يتاح لي الإطلاع عليه عرضا  من معاناة الطوارق و العرب في كل من مالي و النيجر، إلى أن تم تعييني في بداية التسعينيات ، سفيرا لموريتانيا في نايجيريا مع الاعتماد في البنين و الطوغو. و هناك بدأت أوضاع الطوارق و العرب تتجلى لي أكثر فأكثر وبدأت أدرك أبعادها و تداعياتها و رهاناتها و  خاصة بعد إنشاء حركة تحرير الآيير و أزواك في النيجر سنة 1991 ومنظمة الحركات الموحدة  لتحرير ازواد سنة 1992  و ما استتبعه قيام تلك الحركات من مذابح شنيعة،  لعل من أفظعها مذبحة Tchin Tabaraden و تلك التي ارتكبت بشكل متكرر في أزوا د وما واكب ذلك من تهجير جماعي  ، خاصة للطوارق الذين تشتتوا في مختلف بلدان إفريقيا الغربية  في ظروف بالغة الصعوبة.

و نتيجة لما شاهدته بأمي راسي من المآسي التي كان يكابدها الطوارق المهجرون من النيجر و مالي في البلدان الإفريقية التي كنت معتمدا بها،  فقد تولد لدي تعاطف عارم مع ضحايا القمع و التعسف الطوارق و العرب في النيجر و مالي.

ولما تم تعييني سفيرا في مالي سنة 1998، كبر اهتمامي  بنضال شعب أزواد  من أجل الحصول على حقوقه المشروعة  في العيش الكريم و الأخذ بأسباب التقدم و التطور الاجتماعي و الثقافي و الفكري. ثم تحول تعاطفي إلى نوع من الإنخراط و الإلتزام تجاه هذا النضال و ذلك في حدود ما تسمح به إكراهات المهنة و واجب التحفظ المرتبط بها.وبعد مغادرتي للعمل الدبلوماسي و عودتي إلى نواكشوط قمت بنشر دراسة باللغة الفرنسية  حول الأوضاع بشمال مالي و أزمة أزواد، جعلتها في ما بعد أحد ملاحق كتاب أصدرته بباريس سنة 2006 بعنوان : Facettes de la réalité Mauritanienne

وفي فترة لاحقة، قمت بكتابة مقالات و تقديم محاضرات داخل البلاد و خارجها حول إشكالية  شمال مالي و تداعياتها على دول الجوار و على المشهد الإقليمي و الدولي.

وحالت في كل مرة أن أتمثل حلا يكون مقبولا من كل الأطراف المعنية و ألمهتمة في ظل ما تتيحه المتغيرات و  الإكراهات و الضواغط المتنوعة السائدة. وقد تمثلت السيناريوهات التي يمكن اعتمادها لحلحلة الأزمة، و التي تبادرت إلى ذهني في الفرضيات التالية:

  • انفصال إقليم أزواد كليا عن جمهورية مالي و إقامة دولة مستقلة في الإقليم
  • تمتع الإقليم باستقلال ذاتي مع الحفا ظ على علاقات وثيقة مع جمهورية مالي
  • إقامة نظام ديمقراطي بدولة مالي يتيح تمتع كل المواطنين الماليين بكافة الحريات الديمقراطية و يكفل الحقوق السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية  و الثقافية لكل مكونات  الشعب المالي في إطار دولة موحدة.
  • إعادة الهيكلة الإدارية بجمهورية مالي ومراجعة دستور البلاد و إعادة تشكيل مؤسساتها الدستورية وفق متطلبات نظام ديمقراطي حقيقي يعطي لكل مكونات الشعب المالي كافة حقوقها الساسية و يكفل لها العدالة و المساواة على كل الصعد.

بالنسبة للسيناريو الأول، فإنه في نظري، يبدو مستحيل الإنجاز لعوامل محلية و إقليمية و دولية و جييو سياسية.

فعلى الصعيد المحلي فإن في الإقليم  تنوعا عرقيا (طوارق –عرب-صونغاي- سوانك- إفلان…) فضلا عن الإختلافت السياسية  و الأيديولوجية و السياسية القائمة بين مختلف التشكيلات و التنظيمات المتواجدة في المنطقة.

و على الصعيد ألإقليمي فإن كافة الدول الإفريقية تتشكل من إثنيات  مختلفة و في اغلب الأحيان متنافرة و متناحرة. و عليه فإن كل هذه الدول  مجمعة على عدم فتح المجال  امام أية إثنية أن تطالب بالانفصال أو أن تسعى إلى تشكيل كيان مستقل. و من هذا المنطلق جاء مبدأ احترام ما يسمى بالحدود الموروثة عن الإستعمار.

و على الصعيد الدولي   ترفض الدول الغربية المهيمنة على إفريقيا  اي نزوع إلى الانفصال  من شأنه أن يهدد مصالحها و أمن رعاياها و أن يقود إلى نشوب حرب اهلية  هنا او هناك قد  تتسبب في نزوح اللاجئين الافارقة و إمكانية هجرتهم إلى أوروبا.

و على الصعيد الجييو سيايس ، هناك توجس إقليمي و دولي  من تسرب المنظمات الإرهابية  إلى بؤر التوتر التي قد تنشأ في  الاقاليم المنفصلة عن الدول الإفريقية.

كل هذه السيناريوهات تجعل انفصال إقليم أزواد عن دولة مالي غير واقعي و غير قابل للإنجاز في ظل السياق الدولي القائم.

وبخصوص السيناريو الثاني المتمثل في حصول الإقليم على الإستقلال الداخلي  و الذي قد دفعني ما قد ساد لدي من اعتقاد في إمكانية تحقيقه   إلى القول  في ورقة قدمتها في ندوة نظمها المركز المغاربي للدراسات الإستراتيجية في 7 يونيو 2013 بما يلي : ” لعل الصيغة الكفيلة بمراعات هذه الشروط بإقليم أزواد، هي العمل بشكل توافقي على إقامة حكم ذاتي في ذلك الإقليم: يتمتع فيه السكان بالحق في تولي تدبير شؤونهم و تنظيم مختلف اوجه حياتهم في إطار دولة ل واحدة و موحدة تبسط سيادتها على كل اراضيها”

إلا أني لم اعد مقتنعا أنه  بالإمكان إنجاز هذا السيناريو هو الآخر نظرا لنفس الأسباب و لذات العوامل و الإكراهات التي تجعل السيناريو الأول مستحيل الإنجاز.

أما في ما يتعلق بالسيناريو الثالث الذي كنت قد ظننت ايضا بانه خليق بان يقود إلى حلحلة الأزمة ، إذا ما قام نظام ديمقراطي  بجمهورية مالي يستتبع ثقافة القبول بالتعددية و التنوع و يكرس العدالة و المساواة بين كل مكونات الشعب المالي. الشيئء الذي جعلني أقول في الدراسة التي أنجزتها حول ازمة أزواد و التي ضمنتها كتابي الآنف الذكر: “quant à l’avènement définitif de la concorde, de l’entente,de la reconciliation  inter-ethnique et de l’harmonie intra comminautaire, cela nécessitera une mutation socilogique et un changement de mentalité qui s’àpèreront progressivement à la faveur  du développement d’une culture de tolérance  et d’égalitarisme qui accepte la pluralité, la diversité et la difference.Ce type de culture se développera et s’approfondira  au rythme de la radicalisation, au Mali, de la démocratie  et des libertés qu’elle est susceptible, à terme, de faire éclore

وهنا أيضا لم اعد متيقنا من دقة الجدلية بين الديمقراطية النظرية  وما يمكن توخيه منها حيث أنه تبن لي  في ما بعد،  أن الديمقراطية في مالي  شأنها شان  الديمقراطية في العديد من الدول الإفريقية الأخرى،  لا تعدو كونها عملية شكلية  و ظرفية  ترمي في الغالب الى تكريس و إعادة إنتاج الأوضاع التي كانت سائدة منذ قيام دولة مالي .  ومن ثم فإنه لا ينبغي أن يتوقع منها حل الأزمة القائمة في أزواد.

وبالنظر إلى كل هذه المعطيات فإني قد أصبحت أميل إلى الاعتقاد أن السيناريو  الوحيد الذي قد تسمح الإكراهات المحلية  و الإقليمية و الدولية بإنجازه قد يتمثل في ما يلي :  قيام نظام ديمقراطي تعددي حقيقي بجمهورية مالي يهدف بضمانات دولية   وتحت ضغط الأطراف الأزوادية الشديد،  على الحكومة المالية ، إلى خلق و تفعيل مشهد وطني  جديد يمكن لكل مكونة من مكونات  الشعب المالي أن تتمتع في إطاره بالحريات السياسية  و الاجتماعية و الثقافية الكاملة   و أن تتمكن من تدبير شؤونها و رسم معالم مستقبلها و تشكيل مصيرها.

و لبلوغ هذه الأهداف يتوجب على دولة مالي أن تعيد النظر في هيكلتها الإدارية  و أن تعيد صياغة دستورها  و تركبة مؤسساتها الدستورية و السياسية و الإجتماعية و الثقاغية.

فعلى المستوى الإداري ينبغي للدولة المالية  أن تعتمد نظام لا مركزية موسع يتم بموجبه إنشاء أقاليم تتمتع باستقلالية إدارية و اقتصادية و مؤسسية كبيرة، بحيث يكون لكل إقليم والي له صلاحيات واسعة و له مجلس تنفيذي جهوي ،  زيادة على مجالس بلدية  و هيآت اقتصادية و اجتماعية و ثقافية خاصة. كما يتوجب أن يصار إلى إعادة صياغة دستور البلاد بحيث يكرس التعددية  الإثنية و اللغوية و الثقافية و يحدد اللغات الرسمية  الوطنية بجمهورية مالي و التي يجب أن تكون من بينها اللغتان العربية و التماشق و في هكذا سياق ينشأ إقليم أزواد  الذي يجب أن يتمتع بمقتضى سياسة تمييز إيجابي خاصة ،  بإستقلالية أوسع على الصعيد السياسي  و المؤسسسي و الإقتصادي و الإجتناعي و الثقافي   بحيث يتاح له أن يختار من بين سكان الإقليم ، على أساس ديمقراطي ووفق آليات و مساطر يتم الاتفاق عليها ،  أن يختار واليا له و مجلسا تنفيذيا ،  فضلا عن مجالس بلدية  ، وما يستوجبه تسيير فعال للحياة بالإقليم من هيآت و آليات  و مؤسسات مختصة. و ينبغي أن يعطى الإقليم  كل الوسائل و الإمكانيات المالية  و المادية للنهوض بالمستوى الإقتصادي  و الإجتماعي و العلمي و الفني لكل سكانه دون استثناء. كما يلزم أن يعطى كل الصلاحيات ليشرف على إنشاء  و تسيير و تطوير  مؤسساته التعليمية بكل مراحلها و أن تستعمل اللغتان العربية و التماشق للتدريس و التكوين و محو الأمية الأبجدية و الوظيفية في الإقليم.

وحفاظا على تفرد سيادة الدولة ووحدة مركز اتخاذ القرار ينبغي أن تقوم السلطات المركزية المالية  بتزكية القرارات و الإجراءات المتخذة على مستوى إقليم أزواد  شأنه في ذلك شأن الأقاليم الأخرى الممكن انشاؤها  تعميما للظاهرة  و درءا للرفض الإقليمي و الدولي لهذا النمط من الحكم الذاتي القابل للتسويغ و التسويق.

هذا التصور يمثل  في رأيي صغة أولية  قابلة للبلورة و التفصيل و التعميق لتشكل إطارا لحل توافقي للازمة من شأنه أن يحوز على رضى الجميع.

نواكشوط 16 أغسطس 2014

مجمد الأمين ولد الكتاب

 

مقالات ذات صله