المسيرة المغاربية : برامج الشراكات ووقائعها

مقدمة

 

1-مقومات المغرب العربي و إمكاناته

 

ا-العامل الجغرافي

ب-وحدة النسيج الإجتماعي

ج-التماهي الثقافي

د-الموارد و الثروات

 

2-المسيرة المغاربية

 

ا-المنطلقات التأسيسية

ب-من منطق الخيار الى عوامل الإجبار

 

3-أهداف الإتحاد و آلياته ووسائله

 

ا-الأهداف

ب-البنى و الهياكل

ج-الوسائل البشرية والمالية

 

4- التحديات و الرهانات

 

ا- التحديات الوجب رفعها

ب-الرهانات الضروري كسبها

ج-النواقص و الإخفاقات الواجب تلافيها

 

خاتمة

 

 

 

 

 

إن المقاربة التي اعتمدتها في معالجة هذا الموضوع تتمثل في إمعان التفكير على نحو موضوعي وبروح نقدية في المسيرة المغاربية وذلك قصد الوقوف على مراحل تطورها و قصد تقييمها من خلال برامج الشراكات الذي يفترض أنه وضع وفقا لمقتضيات المصالح الإستراتيجية لإتحاد المغرب العربي و انطلاقا من من مقوماته و إمكاناته و إنسجاما مع أهدافه الأساسية التي ينص عليها ميثاقه.

 

و من أجل تسليط الضوء على الدينامكية الداخلية للمسيرة المغاربية وتبيان وتيرة تقدمها  إرتأينا أنه من المفيد استجلاء الأوضاع و الملابسات التي أثرت سلبا أو إيجابا في هذه المسيرة وفي تحديد إقاعها ووجهتها. كما قد تبدى لنا أنه من الأهمية بمكان الإشارة الى الرهانات التي لا مندوحة لإتحاد المغرب العربي عن كسبها و التحديات التي لا مناص له من رفعها تحت طائلة النكوص و الإرتكاس.

 

و بتعبير آخر فإننا سنحاول من خلال هذه الورقة استعراض مقومات المغرب العربي ككيان واحد متماسك  و محدد المعالم و متوفر على موارد مادية وبشرية تؤهله لأن يكون فضاء إقتصاديا و جييواستراتيجيا ليس فقط قابلا للحياة بل فعالا و منافسا كذلك . كما أننا سنومئ إلى العوامل الخارجية و الدوافع الذاتية التي أدت الى ميلاد اتحاد المغرب العربي في شكله الراهن، سواء كان ذلك الميلاد نتيجة لضواغط خارجية وملابسات دولية أو كان تجليا لحصافة القادة المغاربيين ولبعد نظرهم و إيمانهم االمتبصر بضرورة قيام هكذا اتحاد بوصفه أنجع مطية للشعوب المغاربية من أجل الوصول بها الى ما تصبو اليه من رخاء و تقدم ونماء.

 

 

 

و سنحاول في هذا السياق كذلك تفحص أداء اتحاد المغرب العربي في ما يتصل باستغلال ووفرة وتنوع و تكامل الموارد الإقتصادية و الإستفادة من حسن توزيعها ضمن المجال المغاربي؛ و في ما يتصل أيضا بالإنسجام الإجتماعي

و التماهي الثقافي لساكنة هذا الفضاء ، وذلك وصولا الى قياس درجة النجاح وسبر مدى الإخفاقات في تحقيق الأهداف التي رسمها الإتحاد لنفسه و التي يشكل تحقيقها المبرر الوحيد لوجوده و لإستمرار بقائه.

 

1-مقومات المغرب العربي وإمكاناته

 

يتوفر إتحاد المغرب العربي على خصائص و مميزات تمنحه المواصفات المطلوبة لجعله فضاء إقتصاديا

و جييو سياسيا ذا أهمية أستراتيجية معتبرة. و بتعبير أدق فإن إتحاد المغرب العربي يمتلك عوامل بالغة الأهمية  قمينة بأن تشكل الدعامات الضرورية لقيام كيان متماسك ومنسجم وفعال و ذي تنافسية كبيرة . و نعرض في مايلي لذكر هذه العوامل.

 

 

 

ا- العامل الجغرافي

 

تمثل منطقة المغرب العربي حيزا جغرافيا متصلا يغطي مساحة إجمالية تربو على 6 ملايين كلم2. وتشكل هذه المساحة جزءا لا يتجزء من مجال أوسع و أرحب يناهز بدوره 13.5 مليون كلم2   ألا و هو فضاء الأمة العربية.

و معلوم أن الفضاء المغاربي يحتل موقعا جييو استراتيجيا مركزيا إذ أنه يتاخم إفريقيا السوداء و يطل على كل من البحر الأبيض المتوسط  و المحيط الأطلسي و يقابل الشواطئ الأمركية و الأربية.

 

ب-وحدة النسيج الإجتماعي

 

تكتنف منطقة المغرب العربي كتلة بشرية تناهز 80 مليون نسمة وتتسم هذه الساكنة رغم تنوعها العرقي و خصائصها المحلية بالتماهي الثقافي و الإنسجام الإجتماعي ووحدة المعتقدات و القيم و التقاليد مما سهل اندماجها ضمن مجتمعات متجانسة ومتوائمة منذ القدم. و ترتبط ساكنة المغرب العربي اجتماعيا و ثقافيا و روحيا بالمجموعة البشرية التي تقطن الفضاء العربي المتاخم له و التي قوامها 300 مليون نسمة.

 

ج-التماهي الثقافي

 

إن سكان المغرب العربي على إختلاف أعراقهم و أصولهم قد انتظموا في مجتمعات مندمجة و تكونت لديهم بحكم المساكنة والتمازج ألفة وتناغم سيكلوجي و اجتماعي شكل أساسا قويا للهوية الثقافية الواحدة التي يرتكز عليها الشعور المتين لدى كل المغاربيين على اختلاف أجناسهم بالإنتماء الى كيان واحد وموحد.

 

 

د-الموارد و االثروات

 

يتوفر إتحاد المغرب العربي على موارد اقتصادية كبيرة و متنوعة و موزعة بين أعضائه على نحو يمكن من استغلالها وفق متطلبات اقتصا د كيان مندمج كبير.فالإتحاد يمتلك كما وافرا من مصادر الطاقة التقليدية كالنفط و الغاز الطبيعي

و الفحم إضافة الى مصادر الطاقة المتجددة كالشمس و الرياح ..و يتوفر أيضا على المعادن كالفسفاط و التربة النادرة

و الحديد و النحاس و الذهب و الماس وغيرها. كما يمتلك موارد فلاحية و حيوانية و سمكية هائلة . مما يجعله فضاء مؤهلا لتصدير كميات وافرة و متنامية من النفط و الغاز الطبيعي نحو الأسواق العالمية.و يمكنه كذلك تطوير و توسيع صادراته من المعادن و الحبوب و الخضروات و الفواكه و الأسماك و اللحوم وغير ذلك.

هذا  عدى عن أن الإتحاد يتوفر على إمكانيات سياحية واسعة يتيحها الطقس الملائم و التضاريس المتنوعة و تشجعها تقاليد الكرم و حسن الضيافة المتأصلة لدى الشعوب المغاربية.

 

كل هذه المقومات خليقة بأن تجعل من اتحاد المغرب العربي قطبا إقتصاديا متميزا و منافسا. و من شأنها أيضا أن تفضي عبر بناء فضاء إقتصادي موحد و مندمج الى رفع مستوى العيش من خلال انحسار الأمية و تراجع البطالة

و تحسين الظروف الصحية و النفاذ الى الخدمات الأساسية و غير ذلك من شروط العيش الكريم التي يمتلك هذا الفضاء كل الوسائل الكفيلة بضمانها.

بقي أن نضيف بهذا الصدد أن هذه المقومات قمينة بأن تحول إتحاد المغرب العربي الى كيان جييو سياسي له من الثقل

و النفوذ ما يمكنه من التأثير على الأوضاع الإقتصادية و السياسية  والثقافية التي تمس مصيره ككيان و تهم مستقبل مواطنيه كمجموعة بشرية لها طموحات و تطلعات خاصة بها.

 

2- المسيرة المغاربية

 

إن مفهوم المسيرة يقترن في الذهن بالحركة والديناميكية و ينفي الجمود و المراوحة في عين المكان كما يقتضي اجتياز مراحل وقطع أشواط وعبور محطات على طريق مؤدية الى أهداف محددة سلفا ويحيل هذا المفهوم  ضمنيا الى إطار زمني تندرج ضمنه عملية التدرج التي تقوم عليها المسيرة.

فهل يمكن من هذا المنطلق بان نجزم بأن منطقة المغرب العربي عرفت مسيرة فعلية بوصفها كيانا متفردا واعيا بذاته ومسيطرا على مصيره؟

وهل هذا الكيان قد قام أصلا نتيجة لد يناميكية  داخلية مستمدة من ظروفه التاريخية و الإجتماعية و السياسية الخاصة

أم أنه إنما قام نتيجة لضواغظ و إكراهات خارجية؟ أم أن قيامه جاء نتيجة لهذه العوامل مجتمعة؟

 

ا-المنطلقات التأسيسية

 

إن بداية وجود فضاء مغاربي متماسك تعود الى قيام الدولة المرابطية في القرن الحادي عشر للميلاد و قد أتسع المجال المغاربي و اتضحت معالمه و تعمق إدراكه لذاته في عهد الدولة الموحدية ما بين سنة 1130 و 1248 حيث قام تحت إمرتها كيان يضم جل الحيز المغاربي الراهن.

واستمر هذا الكيان قائما الى أن اجتاحت البرتغال الشواطئ المغاربية سنمة 1415. و منذ ذلك التاريخ و نتيجة للإحتلال الأجنبي تمت تجزءة المجال المغاربي و أنشئت ضمنه دويلات مختلفة. على أن ذلك لم يؤثر إطلاقا في شعور ساكنته بالإنتماء الى كيان واحد لا معنى للحدود داخله. و ظل هذا الشعور متأصلا في النفوس رغم السياسات الإستعمارية الهادفة الى التفكيك و التفرقة.

 

و هكذا نرى أن أول عمل سياسي مغاربي واع مناهض للإستعمار الفرنسي كان قيام لجنة التحرر المغاربي سنة 1948. وأول محاولة يقام بها بعد رحيل الإستعمار الفرنسي بهدف تمهيد الطريق أمام الوحدة المغاربية تمثلت في مؤتمر وزراء الإقتصاد لكل من الجزائر و المغرب و تونس و ليبيا و الذي عقد بتونس سنة 1964.  و قد أنشئ هذا المؤتمر هيأة تدعى المجلس الإستشاري الدائم المغاربي و الذي أنيطت به مهمة تنسيق و توفيق خطط التنمية و التجارة البينية ضمن الأقطار الأربعة. و كان الهدف من إنشاء هذا الكيان هو إيجاد تكتل منسجم في وجه قيام السوق الأربية المشتركة.

 

 

 

و هكذا نرى أن منطقة المغرب العربي قد شكلت منذ القدم مجالا سياسيا و سوسيولوجيا متصلا ومتوا صلا وأن الرغبة في إنشاء هكذا كيان و تفعيله رغبة متأصلة عند الشعوب المغاربية  وأن الساسة المغاربيين كانوا يعون ذلك تمام الوعي!

 

ب-من منطلق الخيار الى عوامل الإجبار

 

الشعور بوحدة المصير و التطلع الى إقامة كيان موحد يؤطر العمل التنموي المشترك و تتضافر ضمنه جهود البناء

و الإنماء المنسجم و المتكامل كان دوما حاضرا في الخيال الجمعي للجماهير المغاربية كما أنه ظل  منطلق الرؤى المستقبلية و العمل السياسي للنخب و قادة الرأي المغاربيين.ولم يكن بالطبع ليغيب ذ لك بالمرة  عن وجدان الساسة

و صناع القرار بالمغرب العربي. الا أن إقامة وتفعيل هكذا كيان لم يأتيا في واقع الأمر نتيجة لإرادة وتصميم ورؤيا مستلهمة من استراتيجية متكاملة و متعددة الأبعاد بقدرما أتيا نتيجة لضواغط و محددات خارجية وخارجة عن إرادة القادة المغاربيين أنفسهم.

 

الواقع أن الملابسات الدولية التي سادت في أواخر الثمانينياتت من القرن المنصرم قد اتسمت بحركة كبيرة للرساميل عبر العالم و بإكتساح الشركات العبر- حدودية للأسواق العالمية و باشتداد وطأة التنافس بين كبار الفاعلين الإقتصاديين وبالنزوع المطرد الى إقامة تكتلات إقليمية و أقطاب اقتصادية جهوية.  و تميز هذا  السياق على الخصوص بإشتداد ضغط مؤسسات بريتن وودز على البلدان السائرة في طريق النمومن أجل إعادة هيكلة إقتصاداتها واعتماد إصلاحات جذرية تتضمن أبعادا إقتصادية و سياسية واجتماعية تتراوح بين إدخال اللبرالية الإقتصادية بما يقتضيه ذلك من تسيير شفاف و حكم رشيد و بين التعددية السياسية و حقوق الإنسان و قيام دولة القانون و إشراك المجتمع المدني في تدبير الشأن العام.

 

كانت هذه بوادر و إرهاصات ظاهرة العولمة التي طال نفوذها العالم بأسره وأخضعته لمنطقها و سلطانها.

و تحت ضغط هذا السياق و استجابة لشروطه و رضوخا لإملاءاته ظهرت مجموعة من التكتلات الجهوية عبر القارات. فعلى المستوى الأروبي تم توسيع المجموعة الأروبية لتضم اسبانيا والبرتغال و اليونان سنة 1980 وعلى المستوى الإفريقي تم اعتماد معاهدة لومي 4 سنة 1989 و على الصعيد العربي تم إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج سنة 1981 ثم مجلس التعاون العربي سنة 1989.

و في خضم هذا السياق و انسجاما مع منطق العولمة الدافع باتجاه التكتل و الإنصهار ضمن أطر موسعة ومندمجة

توفر شروطا أكثر ملائمة للإستثمار المربح و التبادلات التجارية المجد ية تم إنشاء اتحاد المغرب العربي في

17 فبراير سنة 1989 بمدينة مراكش بالمملكة المغربية.

 

و سواء كانت الدوافع التي أفضت الى قيامه نابعة في أساسها من قناعات عميقة و صادقة عند صناع القرار المغاربيين

أم كانت نتيجة إكراهات خارجية ضاغطة أم نتيجة للأمرين معا  فإن اتحاد المغرب العربي قد تم إنشاؤه  و رسمت له أهداف أنيط به تحقيقها و حددت له غايات أسندت اليه مسؤو لية بلوغها.

 

 

3-أهداف الإتحاد و آلياته ووسائله

 

 

ا-الأهداف

 

تتمثل إهداف التحاد المغرب العربي المنصوص عليها ضمن ميثاقه في:

 

– توطيد علاقات الأخوة التي تربط البلدان الأعضاء و شعوبها

– تحقيق التقدم و الرخاء لصالح مجموعاتها الوطنية و الدفاع عن حقوقها.

– تأمين حرية التنقل لفائدة الأشخاص و الخدمات و البضائع و الرساميل بين البلدان الأعضاء و ذلك على نحو تدريجي

– إعتماد سياسة موحدة في كل المجالات تهدف الى تحقيق تنمية البلدان المغاربية صناعيا و فلاحيا و اجتماعيا.

 

و في منظور إقامة وحدة اقتصادية مغاربية بين الأعضاء الخمسة لللإتحاد فقد  تم  تحديد المراحل الآتية:

– إقامة منطقة للتبادل الحر و إزاحة كل العراقيل الرسومية وغير الرسومية التي تعوق التجارة بين البلدان الأعضاء

– إقامة اتحاد جمركي لتشكيل فضاء جمركي مغاربي موحد مع اعتماد رسوم خارجية موحدة حيال بقية العالم.

– إقامة سوق مشتركة تكرس إند ماج الإقتصادات المغاربية مع رفع التضييق على تنقل عناصر الإنتاج عبر الحدود الوطنية للبلدان الأعضاء.

 

كما ينص الميثاق على أن الإتحاد المغاربي يطمح أن يكون مجموعة متكاملة تتعاون مع المجموعات المماثلة.وتسعى

الى المشاركة في إثراء الحوار العالمي و إلى  وضع إمكانياتها في خدمة توطيد استقلال أعضائها وصيانة مكاسبها.

و أنها ستعمل مع بقية المجموعة الدولية على إقامة نظام عالمي تسود فيه العدالة و الكرامة و الحرية  و حقوق الإنسان.

و تكون العلاقات فيه قائمة على التعاون الصادق و الإحترام المتبادل. علما أن إتحاد المغرب العربي إنما هو مرحلة أساسية على طريق الوحدة العربية و أرضية صلبة لبناء إتحاد أوسع يضم بلدانا أخرى عربية و إفريقية.

 

هذه هي الأهداف التي أنشئ إتحاد المغرب العربي من أجل تحقيقها و التي لا معنى لوجوده إن هو لم يبذل كل جهوده

و يوحد كل طاقاته و يعبئ كل وسائله من أجل تجسيدها على أرض الواقع.

 

ب- البنى و الهياكل

 

يوجد مقر إتحاد المغرب العربي بزنقة الزلاقة  بالرباط بالمملكة المغربية و تتمثل هياكله التي يعتمد عليها في الإضطلاع بمهامه و مزاولة نشاطاته في:

 

– مجلس رئاسي

-مجلس لوزراء الخارجية

– أمانة عامة

– غرفة إستشارية

– لجنة متابعة

– أربع لجان وزارية

– محكمة عدل

 

و تشكل هذه الهياكل في ذات الوقت الدوائر المكلفة بوضع التصورات و بلورة الرؤى  و الآليات المناط  بها السهر على التسيير اليومي لعمل الإتحاد و الموكل إليها تنفيذ سياساته و انجاز إستراتجياته.

 

ج- الوسائل البشرية و المالية

 

يستخدم إتحاد المغرب العربي أربعين موظفا من بينهم 15 إطارا، ثلاثة عن كل قطر من أقطار الإتحاد. و تبلغ موازنته السنوية  حوالي 1.85 مليون دولار يسددها الأعضاء أو هكذا يفترض بواقع 370000 دولار سنويا عن كل قطر.

و غالبا ما يتأخر بعض الأعضاء عن تسديد حصصهم.  فقد بلغت المتأخرات المستحقة للإتحاد في الفترة الواقعة بين 1995 و2000 3.4 مليون دولار. و يكلف وجود وتشغيل إتحاد المغرب العربي كل مواطن مغاربي

0.016 دولار في حين يكلف تشغيل الإتحاد الأروبي مثلا كل مواطن أروبي 250 دولار.

وتذكرني هذه الوضعية قول شاعرنا أبي الطيب المتنبي:

 

على قدلر أهل العزم تأتي العزائم                     و تأتي على قدر الكرام المكارم

 

4- التحديات و الرهانات

 

لكي يصار الى تحقيق طموحات الشعوب المغاربية و الى عصرنة هذه الشعوب و الإرتقاء بها الى درجة أعلى من الرفاه الإقتصادي و التطور الإجتماعي و الإزدهار الثقافي و التقدم الحضاري و صولا الى تبوؤ الإتحاد المغاربي ككيان متفرد مكانة مرموقة على الساحة الدولية . فلا مناص من تضافر جهود كل أعضائه و توحيد إ رادتهم و شحذ هممهم لمواجهة التحديات الراهنة المتمثلة في سياسات الهيمنة الإقتصاد ية و الإخضاع السياسي و الإستتباع الفكري التي تنتهجها قوى التسلط و الإستكبار المتنفذة في العالم نتيجة للأحادية القطبية التي يتسم بها السياق الدولي في ظل الأوضاع القائمة حاليا. و لا بد كذلك من كسب الرهانات المتصلة بظروف العولمة و إكراهاتها و تداعياتها. كما يتوجب تصويب الأخطاء و تصحيح الأغلاط و تدارك النواقص المتعلقة بالسياسات المتبعة في تد بير شؤون الإتحاد وتفعيل أدائه على الصعد كافة.

.

 

 

 

 

 

ا- التحديات الوا جب رفعها

 

هناك مجموعة من التحديات يجب على إتحاد المغرب العربي أن يرفعها إذا كان يحرص على مواصلة مسيرته دون تعثر نحو تحقيق الأهداف التي حدد ها لنفسه و التي تعرضنا لذكرها آنفا.

من هذه التحديات ما هو سياسي و منها ما هو اقتصادي و منها ما هو ثقافي.  و لعل من أهم التحديات السياسية التي يجب على الإتحاد التعامل معها بحزم و استماتة هو محاولة بعض القوى المتنفذة إقصاءه كمنظمة إقليمية أو التقليل من دوره بصفته تلك في التأثير في تشكل كيانات قارية و جهوية وشبه جهوية مثل التشاور العربي الأوربي حول عملية برشلونة و الحوار العربي المتوسطي و الجوار الأورو- متوسطي و التعاون الأرو- إفريقي و الشراكة الأمركية الإفريقية و مشروع الشرق الأسط  و شمال إفريقيا( مينا)…و لذا فعلى إتحاد المغرب العربي أن يعمل جاهدا بالتعاون

مع المنظمات الإقليمية المماثلة و ضمن الجامعة العربية على الحيلولة دون تقزيمه و تقليص دوره على مستوى المحافل الدولية التي تعمل على صياغة القرارات و تحديد السياسات المصيرية بالنسبة لبلدان العالم الثالث.

 

أما التحديات الإقتصادية التي ينبغي رفعها بالسرعة االمستطاعة فهي العراقيل و الإنسدادات السياسية و الحواجز الجمركية و الرسومية و التعقيدات الإدارية  و المنافسة البينية و المبادرات الإنفرادية التي تشكل مجتمعة حجر عثرة حقيقي في وجه تفعيل التكامل الإقتصادي و الإندماج الإجتماعي و التلاقي السياسي لإتحاد المغرب العربي مما يضعف من مصداقيته و من قوته التفاوضية و من تنافسيته و قابليته للإلتحاق بمنظمة التجارة العالمية و الإندماج بالتالي

في الإقتصاد العالمي.

 

و تكمن التحديات الثقافية في تنامي التيارات الإديولوجية المنافية للعقلانية و الوسطية و المتمثلة في العقلية الماضوية الظلامية و الإتجاهات الراد كالية المتطرفة  مما يجعل الفكر الإسلامي العربي الذي هو مرجعية الشعوب المغاربية

يبد و للغير و كأنه فكر متحجر و منغلق و شمولي لا مكان فيه للتسامح و التعددية و التفتح  و لا مجال فيه للتثاقف

و الحوار و التعايش السلمي. مما يعطي إنطباعا سالبا  و يولد شعورا معاديا تجاه الخصوصية الحضارية التي يشترك فيها اتحاد المغرب العربي مع الأمة العربية و بقية المسلمين في العالم.

 

ب- الرهانات الضروري كسبها

 

إن ضمان نجاح مسيرة اتحاد المغرب العربي يقتضي كسب حزمة من الرهانات ذات أبعاد إقتصادية و سياسية وفكرية. فعلى الصعيد الإقتصادي ينبغي للإتحاد أن يبلور إستراتيجية تكامل و اندماج إقتصاديين و ذلك من خلال تطوير

و توسيع الشراكة البينية و نبذ التنافس بين أعضاءه و الإقلاع عن التعامل الإنفرادي مع نفس الشركاء.

 

 

 

ومن خلال تحرير التبادل التجاري و إقامة مناطق حرة داخل الفضاء المغاربي ثم من خلال تكثيف الجهود المشتركة

و المنسقة من أجل إقامة المنظمة العربية للتبادل االحر التي تم إقرار مبدء إنشائها منذ عشر سنين خلت.  كما يجب على الإتحاد العمل الحثيث من أجل احتلال مكان الصدارة في منطقة التبادل الحر المزمع إنشاؤها في أفق 2010  وفق إتفاقية عملية برشلونة  فضلا عن الإستفادة من الحوار الأرو متوسطي  و معاهدة الشراكة الأمركية الإفريقية ( نباد)

و الشراكة بين الإتحاد الأرو بي و مجموعة بلدان إفريقيا و الكاربي و المحيط الهادي (أسيبي).

و عليه من ناحية أخرى أن يوظف التنافس الأمركي الأروبي على مستوى إفريقيا و منطقة البحر الأبيض المتوسط لتقوية موقعه و تفعيل دوره ضمن السياق الدولي الآخذ في التشكل.

 

و على الصعيد السياسي فإنه ينبغي إعتماد الديمقراطية و صيانة حقوق الإنسان و الحريات الأساسية  و إشراك الفعاليات و القوى الحية الوطنية في عملية صنع القرار في الفضاء المغاربي و ذلك لضمان الإستقرار ضمن هذا الفضاء  و إضفاء الشرعية على حكوماته و إعطاء المصداقية لمؤسساته مما يقوي تماسك جبهته الداخلية و يرد اليه إعتباره و يكسبه إحترام و تقدير شركائه عبر العالم.

 

أما على الصعيد الفكري فإنه يتوجب القضاء على داء الأمية الذي ما زال متفشيا بشكل مشين في الفضاء المغاربي

و ينبغي العمل على تعميم نسبة التمدرس و عقلنة و عصرنة المنظومات التعليمية لمواء متها مع حاجيات السوق المغاربية من الموارد البشرية المؤهلة و الكواددر المدربة  و الأخذ بأسباب التكنولوجيا  و مسايرة الثورة الرقمية

و الإنفجار الإعلامي.

و ينبغي دفع البحث العلمي التطبيقي و الأساسي و إنشاء و تفعيل مراكز إمتياز موزعة على نحو معقلن ضمن الفضاء المغاربي.

و لن يتأتى كسب هذه الرها نا ت على الوجه الأكمل إلا إذا توفرت عند القادة وصناع القرار المغاربيين القناعة الراسخة بأن نماء وتطور وازدهار الشعوب المغاربية و استقرار أنظمتها السياسية و سلامتها وأمنها يقتضي إستراتيجية مشتركة ومحكمة تستهدف الإندماج الإقتصادي و الإجتماعي و الثقافي لكل شعوب الإتحاد  وذلك من خلال إشراكها في صياغة مصيرها عبر إقامة الديمقراطية التعددية الحقيقية و ليست الديمقراطية الصورية  و إرساء دولة القانون

و تكريس الحريات الأساسية  و الإعتماد على المؤسسات في عملية صنع القرارو ليس على أمزجة الأشخاص.

و السعي الحثيث الى تطوير العلوم والفنون لرفع مستوى الذائقة الشعبية و لتعبيد الطريق أمام ميلاد مجتمع المعرفة المتنور الذي لا مكان فيه للبدائية و العقل الخرافي.

 

ج- النواقص و الإخفاقات الواجب تلافيها

في الوقت الذي يتضح فيه للجميع بكل جلاء الأهمية القصوى لتبني إستراتيجيات ترمي الى دمج إقتصاديات الدول المجاورة ضمن كيانات أكبر و فضاءات أرحب  من خلال تحرير التجارة و تسهيل تبادل البضائع  و الخدمات و تنقل الأشخاص و انسياب الرساميل سعيا الى تكثيف التعاون بين دول الجنوب و الإسراع بإنفتاحها على بعضها و اندماجها الإقتصادي ، نلحظ باستغراب كبير تراجعا بينا في حجم التبادلات بين الدول الأعضاء في اتحاد المغرب العربي خلال التسعنيات من القرن المنصرم حيث أن معدل حجم المبادلات بين دول الإتحاد في الفترة الواقعة بين سنوات 1996

و 2000  لم يكن يربو على 332 مليون دولار بينما بلغت المبادلات بين البلدان المغاربية و الإتحاد الأروبي في ذات الفترة 473 مليون دولار.

 

و لم تتجاوز نسبة نمو صادرات دول الإتحاد نحو بعضها 7.5%. و في حين لم تتعد الواردات البينية  المغاربية

سنة 2000 نسبة 0.6%  بلغت صادرات البلدان المغاربية نحو الإتحاد الأربي 68 ضعفا لحجم صادراتها نحو بعضها.

و في الوقت الذي كانت فيه نسبة التبادلات التجارية بين أقطار المغرب العربي و الإتحاد الأروبي تبلغ 63%

من إجمالي تبادلاتها الخارجية و في حين كانت مبادلاتها مع أمركا وكنادا تناهز 20% لم تكن المبادلات بين الإتحاد

و بقية العالم العربي تتعدى 10% و لم تكن المبادلات البينية المغاربية تتجاوز 2% من مجمل التبادلات على مستوى الفضاء المغاربي بكامله.و هذه لعمري مفارقة محيرة ومحزنة!!

 

و لا تقتصر تجليات الإخفاقات التي يعاني منها اتحاد المغرب العربي في الوقت الراهن في عدم تمثل مبادئه من طرف القيمين على شؤونه و عدم الإنسجام مع أهدافه و مع تطلعات شعوبه وحسب بل وتتجلى أيضا في مجموعة من العوامل يؤدي تضافرها الى الحؤول دون تفعيل الإتحاد و تمنع من توفره على قوة دفع داخلية من شأنها أن تذ كي حركيته

و انسيابيته بشكل مطرد وفعال.

 

و تتمثل هذه العوامل في انعدام إطار قانوني و تنظيمي يلغي الحواجز و يسهل حركة البضائع و السلع و تنقل الأشخاص و الرساميل ضمن الفضاء المغاربي. و انعدام وجود مناطق حرة للتبادل التجاري و عدم تنسيق الجهود

و المواقف حيال الشركاء الأجانب و تنافس الأعضاء المتوفرين على نفس الموارد فيما بينهم وتعاملهم الإنفرادي مع نفس الشركاء مما يضعف القوة التفاوضية لكل منهم على حدة , يضاف الى ذلك تشتت جهود الدول الأعضاء النا تج عن إلتحاق بعضهم بشكل إنفرادي ودون تشاور مسبق مع بقية الأعضاء بكيانات أخرى موازية  ليست بالضرورة متساوقة مع الإتحاد من حيث أهدافه الخاصة و طموحاته المميزة ومصالحه الذاتية. و كذلك عدم توحيد الرؤى و عدم تنسيق المواقف قبل الإنضمام الى الشراكات مع الفضاءات الإقليمية الأخرى  مثل مشروع المنطقة الأرو-متوسطية للتبادل الحر ضمن إطار عملية برشلونة و مشروع إقامة منطقة عربية متوسطية للتبادل الحر على سبيل المثال لا الحصر.

 

 

و لعل من أشد العوامل تعقيدا وأكبرها عرقلة لقيام  مغرب عربي منسجم و متآلف و مندمج حقيقة لا مجازا هي معضلة الصحراء الغربية.  فطالما لم يوجد حل لهذه المعضلة المستعصية و ما لم يتوصل الى تخطيها بشكل توافقي، فسيظل من المستحيل قيام اتحاد مغاربي متصل ومتواصل  منسجم ومندمج. ولعل ما ينبغي إدراكه و تد بره بهذا الصدد هو أن الإنسداد السياسي الناجم عن هذه المعضلة سيفضي بكل تأكيد الى إضرار بالغ بالمصالح الحيوية للشعوب المغاربية كافة.

 

فوضعية اللا- مغرب في السياق الدولي المعولم الراهن  ستكون باهظة التكاليف بالنسبة للشعوب المغاربية و حتى بالنسبة للأنظمة المغاربية نفسها إذ أنها ستؤدي الى فقدان الإستثمارات الأجنبية الكبيرة و الى محدودية التبادلات التجارية و من ثم الى تضاؤل فرص العمل ضمن الفضاء المغاربي كما سينجر عنها ضعف في القوة التفاوضية لكل أعضاء الإتحاد حيال شركائهم التجاريين المنضوين في كيانات موحدة ومنسجمة.

و سوف يترتب عنها كذلك تراجع أهمية أعضاء الإتحاد المغاربي وتضاؤل وزنهم أمام توسع الإتحاد الأروبي بإتجاه الشرق و أمام تنامي الكيانات الإقتصادية الجهوية الأخرى وتوجهها الجدي نحو تعميق اندماجها على مختلف الصعد.

 

 

و الواقع أن ما قد يتوجس المرء منه خيفة هو أن يقود منطق العولمة و جشع القوى المتنفذة في العالم وقناعتها الراسخة بضرورة إزالة الحدود و إفساح المجال أمام قيام فضاءات أوسع الى التفكير في كسر الجمود الذي يميز اتحاد المغرب العربي الحالي بشكل قسري لوضع حد للمراوحة التي يعاني منها و إعادة صياغته وفق أجندتها بحيث يشمل مصر

و السودان و ذلك  أ سوة بمشروع الشرق الأوسط الكبير!

هذه  مجرد فرضية و لكن  منطق استباق الأحداث و استقراء الظروف يقتضي وضع كل التصورات و الإحتمالات في الإعتبار و استشراف المستقبل و استنطاق الغيب وصولا الى وضع تصور محكم لما قد يلزم من إحتياطات وتحريات.

وعلى أية حال فمهما كان درجة الإخفاقات ومهما كان مدى القصور فإن التبصر و الحكمة و المسؤولية لا بد أن تشكل في نهاية المطاف المحددات الأساسية للموقف الذي سوف يتبناه- آجلا أم عاجلا- قادة اتحاد المغرب العربي حيال بناء حقيقي و تفعيل جاد لهذا الفضاء الذي  تنتمي اليه شعوبهم و تطمح الى تحقيق التقدم و الرقي و الإزدهار في إطاره

و  ليس لها من خيار سوى ذلك.

 

 

و نحن لا نشك في أن جميع الفاعلين المغاربيين سياسيين كانوا أم إقتصا ديين أم جمعويين يدركون تمام الإدراك تكاليف

و سلبيات بل و مخاطر الركود الذي يعاني منه اتحاد المغرب العربي في هذه الحقبة من تاريخه. ونعتقد جازمين أن سكوتهم على هذه الوضعية اللا معقولة لن يطول كثيرا . ذلك أنه ليس هناك أي إعتبار و لا أية قضية تفوق مردوديتها الإقتصادية أو السياسية أو الإجتماعية مردودية كيان كبير مندمج ومنسجم قادر على الإسهام في التأثير في مصير االمنطقة العربية مثل إتحاد المغرب العربي.

و هذا ما يزداد كل يوم و ضوحا في أذهان كل مواطني الإتحاد بما فيهم المورتانيون الذين تأمل جماهيرهم ونخبهم أن يولد شعور حقيقي لدى كافة القادة و صناع القرار المغاربيين بالضرورة القصوى للتفعيل الشامل و السريع لإتحاد المغرب العربي.

 

و المعيار الذي يقيس به الشعب الموريتاني و نخبه ذلك التفعيل  ليس هو الخطب و الإجتماعات و الورشات و لا حتى القمم إنما يقاس ذلك عندهم بفتح الحدود و إلغاء التأشيرات وتبسيط الإجراءات الإدارية و تسهيل تبادل البضائع

و الخدمات و التجارب وفتح الجامعات و المعاهد المغاربية أمام الطلاب المغاربيين تمهيدا لنشر العلوم و المعارف في إطار مجتمع معرفي مغاربي مندمج و متصالح مع نفسه  آخذ بأسباب الحداثة   متحضر و مؤهل نتيجة لذلك لإحتلال موقع متميز ضمن السياق الد ولي القائم و  الذي لا مكان فيه للكيانات  الصغيرة و الضعيفة.

 

د. محمد الأمين ولد الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى