دور نزاع الصحراء الغربية في تعطيل مسيرة البناء المغاربي

مدخل

إن المنطلق الملائم الذي ينبغي في تصورنا، البدء منه في مقاربة هذا الموضوع هو مسلمة وجود فضاء جغرافي متصل مأهول بساكنة متواصلة ومتواشجة ويتوفر على موارد متنوعة ومتكاملة؛ وله ماضي تاريخي واحد وموروث ثقافي وروحي مشترك، وهذا الفضاء هو ما أصبح يعرف بالمغرب العرب. وهو مجال عرف تاريخه قيام دول موحدة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: المرابطين والموحدين والمرينيين… وقد اعتنقت ساكنته الإسلام ونزعت إلى المذهب السني المالكي دون سواه. وقاومت الاستعمار الأوربي في تآزر وتضامن.

 

وقد استشعرت أثناء الاحتلال الاستعماري وبعد قيام الاستقلال ضرورة التقارب والتلاقي ضمن إطار مؤسسي تلقائي جامع، مما ينم عن وعي متأصل بوحدة المصير وتماهي الأهداف وتناغم التطلعات. وكان من أهم تجليات النزوع إلى العمل المشترك :

 

* تنظيم مؤتمر المغرب العربي المنعقد في القاهرة في شهر فبراير 1947؛

* إنشاء المجلس الاستشاري المغاربي الدائم سنة 1964 والذي ضم أولا المغرب والجزائر وتونس ثم ليبيا وموريتانيا.

وقد شكل هذا المجلس أول مشروع ملموس للتعاون الإقليمي المغاربي. وقد أنشئ لخدمة أهداف بركماتية محددة وهي :

* تنسيق السياسات الاقتصادية والجمركية، لضمان حرية تنقل البضائع الصناعية

* تنسيق السياسات في مواجهة الشركاء، لا سيما السوق الأوربية المشتركة.

وفي سنوات الاستقلال الأولى كانت الأنظمة المغاربية على اختلافها مازالت كلها قريبة من فترة نضالات شعوبها ومن ثم متماهية مع آمالها وتطلعاتها.

لكن ما لبثت تلك الأنظمة أن وقعت تحت نفوذ احد المعسكرين المتقاطبين وتأثرت بالحرب الباردة فاصطف كل منها ضمن المعسكر الذي اختاره واعتمد النظام الاقتصادي والسياسي الذي ارتآه فتقلص التواشج وتباينت الوجهات ووهنت الإرادة السياسية وضعفت استقلالية القرار حيال العمل المحكم من اجل بناء فضاء مغاربي متكامل ومندمج. واستمرت الأمور كذلك حتى أواسط السبعينيات حيث اندلعت أزمة الصحراء الغربية التي نحن بصدد قياس مفعولها وتقييم دورها في تفاقم عرقلة مسيرة البناء المغربي.

وقبل أن نعرض للدور الذي لعبته هذه الأزمة في تعطيل المسيرة المغاربية وعرقلة مؤسسات الاتحاد المغاربي وقبل أن نلمع من جهة أخرى إلى الدور المفارق الذي أسهمت به في قيام اتحاد المغرب العربي في صيغته الحالية، فانه من المفيد أن نقدم ولو بشكل مقتضب ملامح هذه الأزمة من خلال مراحل تطورها حتى نلمس مدى وكيفية تأثيرها السلبي على صيرورة البناء المغاربي.

 

 

ملابسات قيام أزمة الصحراء الغربية وتطورها:

 

إن ما يعرف اليوم بالصحراء الغربية هو حيز جغرافي تبلغ مساحته 260000 كلم2 محاذي للمحيط الأطلسي ومصاقب لموريتانيا والمغرب والجزائر وقد احتلته اسبانيا سنة 1884 ومكثت فيه 80 سنة قبل أن تسلمه للمغرب وموريتانيا بمقتضى اتفاقية مدريد الثلاثية الموقعة في 14 نوفمبر 1975.

ولقد شكلت هذه الاتفاقية التي تم بموجبها تقسيم الصحراء الغربية بين المملكة المغربية وموريتانيا دون استشارة ساكنتها التي كانت تناهز وقتئذ 74000 نسمة، شكلت بداية لأزمة بالغة التعقيد لم تعد في البداية كونها إجراءا غير مدروس وتصرفا أحادي الجانب لم يراع إرادة وتطلعات كل الفرقاء المعنيين بشكل مباشر وغير مباشر بوضعية الصحراء الغربية، بيد أنها ما لبثت أن تحولت إلى صراع إقليمي حاد ثم إلى أزمة دولية متعددة الأبعاد وذلك نتيجة لردة الفعل العنيفة التي صدرت عن الفرقاء الذين تم تجاهلهم عند إعادة صياغة مصير المنطقة، ويتعلق الأمر بجبهة البوليساريو والجمهورية الجزائرية.

 

وهكذا تحولت قضية الصحراء الغربية من مجرد تصرف غير محسوب العواقب تمثل في إحجام اسبانيا عن تنظيم استفتاء لتقرير المصير للشعب الصحراوي وإقدامها على تقسيم الإقليم بين موريتانيا والمغرب مما أدى إلى صدام بين السلطات المغربية و بعض السكان الصحراويين انجر عنه نزوح أعداد منهم إلى الجزائر ليكونوا ما سيعرف لاحقا بمخيمات تيندوف. ثم تطورت الأوضاع بعد ذلك لتصل إلى نشوب حرب دامية بين جبهة  البوليساريو مدعومة من الجزائر ثم من ليبيا لفترة من الزمن، وبين المملكة المغربية وموريتانيا.

 

وقد أدى هذا النزاع المسلح إلى تعميق وتدويل أزمة الصحراء الغربية، حيث أنشئت الجمهورية العربية الصحراوية في 27 فبراير 1976 وتم قبولها كعضو في منظمة الوحدة الأفريقية التي انسحب منها المغرب تبعا لذلك. واعترفت بها 76 دولة.

 

وبما أن هذا النزاع المسلح أصبح يهدد السلم في شبه المنطقة والأمن في العالم فقد اهتمت به منظمة الأمم المتحدة حيث بذلت جهودا حثيثة من اجل حلحلته وطي ملفه. فقام مجلس الأمن سنة 1975 بإيفاد أول بعثة له تحت إشراف سيمون آكي Simon Aké إلى الصحراء الغربية لتقصي الحقائق والبحث عن حل للأزمة. وقام في سنتي 1990 و 1991 بإصدار قراريه رقم 658 و 660 القاضيين باعتماد خطة لتسوية الأزمة تقوم على تنظيم استفتاء لتقرير المصير، وقد قبل الفرقاء هذه الخطة، لكنهم أخفقوا فيما بعد في تحديد شروط وحيثيات تنفيذها على ارض الواقع. وفي سنة 2003 اعتمد مجلس الأمن قراره رقم 1495 المرتكز على اتفاقية هيوستن المبرمة سنة 1997 تحت إشراف السيد جيمس بيكر. ويتضمن هذا القرار مخطط سلام ينص على تحويل الصحراء الغربية إلى إقليم مغربي شبه مستقل لمدة خمس سنوات يتم بعدها تنظيم استفتاء يختار من خلاله السكان الصحراويون بين الاستقلال أو الاستمرار في الحكم الذاتي أو الاندماج في المغرب.

 

وقد قبل البوليساريو والجزائر هذا المخطط بينما رفضته المملكة المغربية مما دفع السيد جيمس بيكر إلى الاستقالة بعد جهود دائبة دامت سبع سنين قضاها في محاولة حل هذه المعضلة المستعصية.

 

ثم جاء مقترح الحل الثالث المتمثل في حكم محلي موسع تحت السيادة المغربية المقدم من المغرب وقد حبذ الأوربيون هذا الحل لكن رفضته جبهة البوليساريو والجزائر.

 

وفي سنة 2007 تم تعيين مبعوث جديد للأمين العام للأمم المتحدة مكلف بملف الصحراء الغربية وهو السيد بيتر فان وولسوم (Peter Van Wolsam) الذي أشرف على أربع جولات من المحادثات بين المغرب والبوليساريو ببلدة مانهاست بالولايات المتحدة الأمريكية وقد أبدى بيتر فان وولوسوم بعض الانحياز للحل الثالث مما افقده ثقة البوليساريو والجزائر.

 

وفي 25 يناير 2009 تم تعيين ممثل جديد للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء الغربية وهو السيد كريستوفر روص الذي باشر مهامه في الأيام القليلة الماضية.

 

وعلى الرغم من كل هذه المحاولات المتواصلة وتلك الجهود المكثفة لم تفلح الأمم المتحدة لحد الساعة في التوصل إلى حل شامل تقبل به جميع الأطراف المتنازعة.

 

هذه الأزمة التي يعتبرها جل المراقبين العقبة الأساسية في وجه بناء وتطور اتحاد المغرب العربي هي في واقع الأمر كذلك ولكن ما تجدر الإشارة إليه في هذا الصدد هو أن هذه الأزمة في الوقت الذي شكلت فيه احد الأسباب التي قادت إلى الولادة القيصرية لاتحاد المغرب العربي في صيغته الراهنة فإنها لا تشكل في العمق سوى أحد العوامل المعرقلة للمسيرة المغاربية التي طالما عقدت عليها شعوب المنطقة آمالا عريضة.

 

 

التعالق بين تطور أزمة الصحراء الغربية وميلاد اتحاد المغرب العربي

 

إن العلاقات بين الأقطار المغاربية عرفت تحسنا ملحوظا قبل اندلاع نزاع الصحراء الغربية حيث وقعت الجزائر وتونس اتفاقا حول الحدود بينهما في شهر فبراير 1970، ووقعت الجزائر والمغرب اتفاقا مماثلا بينهما في شهر يونيو 1992. ولكن اندلاع أزمة الصحراء الغربية حول هذا الانفراج إلى توتر وتدابر وقاد إلى مكايدات مريرة وإلى انعدام للثقة بين الحكومات المغاربية.

 

وهكذا اعتبر كل من المغرب وليبيا معاهدة الإخاء والوفاق التي أبرمت بين الجزائر وتونس وموريتانيا في 13 دجمبر 1983 موجهة ضدهما ومهددة لأمنهما. فبادرا بتشكيل حلف بينهما أسمياه : اتحاد الدول العربي الإفريقي. وقع الاتفاق المؤسس له في 13 أغسطس 1984 بمدينة وجدة فترتب عن هذا الاتفاق تقليص دعم ليبيا لجبهة البوليساريو مقابل امتناع المغرب عن دعم أتشاد في حربه ضد ليبيا.

 

وللخروج من دوامة المكايدات والمخاتلات على خلفية مشكل الصحراء الغربية ولتفادي قيام أحلاف معادية لبعضها في المنطقة بدأ القادة المغاربيون يفكرون في صيغة تمكنهم من الاحتراز مما قد تفضي إليه تداعيات هذه الأزمة من عداء وصدام قد يعرض أنظمتهم للخطر.

 

ولا يستبعد أن تكون هذه الحسابات من بين الدوافع التي حدت بالمغرب أن يشارك على أعلى مستوى في القمة العربية المنعقدة في الجزائر في يونيو 1988. ولا يستغرب كذلك أن تكون ذات الدوافع تكمن خلف الاجتماع الذي عقده القادة المغاربيون في زيرالدا على هامش القمة العربية والذي اتخذوا فيه دون سالف تمهيد ولا كامل إعداد قرارا بإنشاء بنية إقليمية مغاربية أطلقوا عليها في ما بعد إبان انعقاد قمة مراكش في 17 فبراير 1989 اسم “اتحاد المغرب العربي”.

 

وبصرف النظر عن طبيعة الدوافع وصدق النوايا الكامنة وراء قرار إنشاء اتحاد المغرب العربي أو عدمه، فإن مما لا ريب فيه أنه وفر إطارا ذابت فيه الأحلاف الجزئية التي قاد إنشاؤها إلى الفرقة والتنافر الناجمين عن مواقف الأنظمة المغاربية من نزاع الصحراء الغربية.

 

وبذلك يكون هذا النزاع قد دفع قادة البلدان المغاربية من حيث لم يدروا إلى إقامة إطار مؤسسي ينتمون إليه جميعا لا يقصي منهم أحدا ولا يبقي مبررا لأحد منهم أن يغرد خارج السرب أو أن يكون طرفا في حلف غير مأمون العواقب على هذا النظام المغاربي أو ذاك.

 

هناك بطبيعة الحال عوامل متعددة أخرى شكلت ضواغط واكراهات أجبرت الأنظمة المغاربية على إنشاء الإطار المؤسسي المسمى باتحاد المغرب العربي.

 

من هذه العوامل الضاغطة : اشتداد مفعول العولمة وبروز فضاءات اقتصادية وسياسية متعددة فضلا عن عدم تحمس التكتلات الاقتصادية الكبيرة للتعامل مع البلدان بشكل منفرد، يضاف إلى هذا وذاك تنامي وعي الجماهير المغاربية بضرورة فتح الحدود وإلزامية خلق الظروف المواتية للاندماج الاقتصادي والاجتماعي ضمن المجال المغاربي وصولا إلى التقدم والارتقاء ومسايرة الأمم المتحضرة.

 

وبعد تبيان دور أزمة الصحراء الغربية الغير مباشر في بروز إتحاد المغرب العربي تحت ضغط الاكراهات التي ألمعنا إليها فإنه يجدر إيضاح دورها في عرقلة اضطراد البناء المغاربي وذلك دون إغفال كونها ليست سوى احد العوامل التي أسهمت في وجود واستمرار تلك العرقلة. وقد تجلى تأثير هذه الأزمة وتداعياتها على مختلف الصعد.

 

* فعلى الصعيد العسكري نشبت، كما ذكرنا، حرب مدمرة بين المملكة المغربية وموريتانيا من جهة وجبهة البوليساريو مدعومة من الجزائر من جهة أخرى فأدى ذلك إلى إهدار موارد بشرية ومادية كبيرة جدا، ونجم عنها تشرذم إقليمي وتقاطب دولي فرض على الأقطار المغاربية اصطفافا يتنافى ومتطلبات الانسجام والوئام بينها.

 

* وعلى الصعيد السياسي تم إغلاق الحدود بين بعض الأقطار المغاربية وفرضت تأشيرات الدخول على مواطنيها مما عرقل التواصل البشري وأعاق الاندماج الاجتماعي والتبادل الثقافي والتلاقح الفكري.

 

* وعلى الصعيد الاقتصادي فقد نجم عن إغلاق الحدود عرقلة تنقل الأشخاص و البضائع والرساميل فترتب عن ذلك خسارة اقتصادية بالغة وإهدار لإمكانيات الاستثمار الهائلة التي يتيحها تكامل الموارد وتداخل المصالح والاحتياجات ضمن المجال المغاربي.

* وعلى الصعيد المؤسسي فقد قادت المكايدة ومنطق التصعيد والتوتر الدائم بين الجزائر والمغرب إلى تجميد نشاط اتحاد المغرب العربي بشكل كامل منذ 1994 ومن ثم إلى استحالة أي عمل مشترك، مما حول الاتحاد إلى هيكل فارغ عديم الجدوى وذلك رغم التصريحات والخطب والأحاديث الشعبوية التي دأب القادة المغاربيون على الإدلاء بها بين الفينة والأخرى للإغراض الاستهلاكية.

 

العوائق الأخرى المعرقلة لبناء اتحاد المغرب العربي

 

هذه الأزمة وما انجر عنها من أضرار بينة ليست كما أومأنا إليه، العامل الوحيد الذي يكبل مسيرة اتحاد المغرب العربي؛ بل ثمة عوامل أخرى لا تقل عنها وقعا وتأثيرا.

ولعل من أفدح هذه العوامل وأشدها وقعا على نفوس الشعوب المغاربية هو الانعدام البين للإرادة السياسية الحقيقية لإقامة وتفعيل وتعميق نجاعة هذا الكيان والارتقاء به إلى مستوى تكتل إقليمي متواصل جغرافيا ومتكامل اقتصاديا ومندمج اجتماعيا ومنسجم سياسيا، له وزن حقيقي على الساحة الدولية وتأثير فعال حيال الانزياحات التي تمليها  متطلبات العولمة.

وبالنظر إلى أن دوافع إنشاء الاتحاد لم تكن مستلهمة من دراسة مسبقة وافية وتصور استراتيجي معمق بقدر ما كان مردها إلى هواجس أمنية بحتة وملابسات ظرفية صرفة فإن النصوص التأسيسية للاتحاد قد اشتملت على معوقات ضمنية تمثلت في اعتماد قاعدة الإجماع من اجل إجازة قرارات الاتحاد. ونتيجة لهذا الإجراء ألمسطري لم يدخل حيز التنفيذ من اتفاقيات الاتحاد السبعة والثلاثين سوى خمسة ليس إلا!

 

ومن تجليات انعدام الإرادة السياسية الحقيقية في تفعيل الاتحاد رفض الأنظمة المغاربية لفتح الحدود ورفع الحواجز الجمركية وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع داخل الفضاء المغاربي و الامتناع عن إنشاء منطقة تجارية حرة و عن إقامة سوق مشتركة و عن تنسيق السياسات الاقتصادية تجاه الشركاء الأجانب؛ وذلك رغم ما أوضحته دراسات اقتصادية لهيآت دولية مختصة من أن عدم وجود سوق مشتركة مغاربية يكلف أقطار الاتحاد 2% من ناتجها الداخلي الخام سنويا.

ودأب كل قطر من أقطار الاتحاد على أن يتفاوض فرديا مع الاتحاد الأوربي ويوقع مع التكتلات العالمية اتفاقيات شراكة ثنائية دون أدنى تنسيق مع باقي الأقطار المغاربية الأخرى واضعا بذلك بقية أعضاء الاتحاد ذات الموارد المتكاملة في موقع تنافس وتجاذب وتناقض. كما أنه في الوقت الذي يبلغ فيه حجم التبادل بين دول الاتحاد المغاربي والاتحاد الأوربي 70%، لا تمثل المبادلات المغاربية مع أوربا سوى 2% من إجمالي تبادلاتها مع بقية العالم. ولا تتجاوز نسبة التجارة البينية المغاربية حاليا 3% من إجمالي تجارتها الخارجية، التي تقدر بحوالي 70 مليار دولار. وهذا على الرغم من مرور 20 سنة على إنشاء الاتحاد.

وكنتيجة لإصرار الأنظمة المغاربية القائمة على التلكؤ في تنمية التجارة البينية عبر الآليات والبنى الملائمة، فقد نمت واستفحلت ظاهرة التجارة الموازية القائمة على التهريب والسوق السوداء وما يواكب ذلك من تجاوزات ومخاطر قد لا تحمد عقباها.

ومما يؤكد انعدام توفر الإرادة السياسية الحقيقية في تفعيل الكيان المغاربي كذلك انخراط أعضاء الاتحاد بشكل منفرد ودون أي تشاور فيما بينهم في اتحادات وشراكات وتكتلات موازية بل وأحيانا منافسة لاتحاد المغرب العربي مثل مشروع الشرق الأوسط وإفريقيا الشمالية ومشروع الشراكة الأورو متوسطية ومنتدى دول الصحراء والساحل…..هذه كلها عوامل معرقلة لمسيرة الاتحاد المغاربي لا يقل تأثيرها في التحليل النهائي عن تأثير أزمة الصحراء الغربية على تطور وسير البناء المغاربي.

 

آفاق المستقبل والتوقعات القائمة

 

لا يسع المرء والحالة هذه إلا أن يتساءل هل سوف تستمر أوضاع اتحاد المغرب العربي على ما هي عليه؟ أم أن ثمة ديناميكية موضوعية ومنطقا حتميا سوف ينسفان كل العوائق ويعصفان بكل التلكؤات والمراوحات مهما كانت جهود السابحين ضد التيار؟

 

الواقع أن التأمل في التحولات الناجمة عن ظاهرة العولمة والتي باتت تميز المشهد الدولي، يقود إلى إحساس بتنام سريع الوتيرة لحركة متعددة الأبعاد سوف تغير ملامح السياق العالمي وتعيد صياغة النظام الاقتصادي ولاجتماعي والفلسفي الذي كان سائدا إلى اليوم.

وسوف يكون من أهم تجليات ذلك، اختفاء الكيانات الصغيرة وذوبانها في تكتلات أوسع.

وبالنتيجة سوف تفقد مفاهيم الحدود الإقليمية والحوزة الترابية والسيادة الوطنية والخصوصيات القومية الضيقة معانيها ويحل محلها هواجس الإنتاجية والتنافسية والشعور بالانتماء إلى فضاء مندمج منهمك في سباق محموم مع فضاءات منافسة يسعى كل منها إلى احتلال الصدارة وكسب الرهانات القائمة.

 

تلكم هي التحديات والاكراهات التي سوف تجد أنظمة اتحاد المغرب العربي نفسها فيها في المدى القصير؛ وسوف لن تستطيع البقاء والاستمرارية ما لم تنسجم مع مقتضيات النسق العالمي الجديد وبنيته المتميزة.

وهكذا فإن الشراكة الاورو متوسطية ستمثل تحديا كبيرا لاقتصادات البلدان المغاربية خاصة عند قيام منطقة التبادل الحر الاورومتوسطية السنة القادمة حيث ستظهر عدم تنافسية المنتجات المغاربية بالمقارنة بالمنتجات الأوربية. وسوف يزداد ضغط الشركاء الأوروبيين ضمن مبادرة برشلونة على شركاءهم في الاتحاد المغاربي من اجل تحرير التجارة فيما بينهم، وان يعملوا على عقد اتفاقات شراكة على نمط اتفاقات الشراكة مع الاتحاد الأوربي. كما سوف تواصل الولايات المتحدة الأمريكية ضغطها على الأنظمة المغاربية من اجل تعميق الشراكة الأفقية فيما بين بلدانها تمهيدا لتحرير وتطوير القطاع الخاص والإصلاحات الهيكلية وزيادة الاستثمار ضمن الفضاء المغاربي، علما أن الولايات المتحدة الأمريكية تشترط إقامة منطقة تبادل حر مغاربية قبل الشروع في التبادل الحر بين أمريكا واتحاد المغرب العربي.

وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية أن الاستثمار والتبادل التجاري والشراكة لن تكون ذات مرد ودية في اتحاد المغرب العربي ما لم يصبح هذا الأخير فضاء مندمجا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.

وفي منظور ما يتوق إليه الشركاء الأمريكيون والاربيون من إيجاد شراكة أفقية متوسطية وعربية فإنهم سيواصلون الضغط باتجاه قيام سوق مغاربية مندمجة يؤمل أن تكون جزءا من منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى.

هذه بعض التحديات الجدية التي ستواجه الأنظمة المغاربية في المدى القصير كما ذكرنا وسوف تجبرها أحبت أم كرهت على تطوير وتفعيل القدرات المؤسسية والتنافسية لهياكل اتحاد المغرب العربي للارتقاء به إلى متطلبات شركائه في التكتلات والفضاءات الأخرى.

وعندها سيصبح من المستحيل على الأنظمة المغاربية القائمة، التمادي في السباحة ضد التيار وفي تجاهل نواميس التطور وضرب عرض الحائط بتطلعات 80 مليون نسمة من المغاربة يطمحون إلى بناء فضاء مندمج يوفر لهم الرخاء الاقتصادي والتطور الاجتماعي والارتقاء الحضاري للحاق بركب الامم الراقية.

 

خلاصة :

وفي المحصلة، وتأسيسا على كل ما تقدم ذكره آنفا، فإنه يمكن القول بأن أزمة الصحراء الغربية تشكل فعلا عاملا أساسيا في عرقلة عملية بناء اتحاد المغرب العربي لما سببته وما زالت تسببه من فرقة وشقاق وتجاذب بين العضوين ذوي الثقل الكبير في الاتحاد : المغرب والجزائر؛ ولما تسببه للأعضاء الآخرين من ارتباك وحيرة وتردد لا مجال لعمل جماعي بناء معها.

إلا أن هذه الأزمة ليست العقبة الوحيدة التي تعيق المسيرة المغاربية بل ثمة عقبات أخرى لا تقل عنها تأثيرا ومفعولا وأهما في اعتقادنا هو انعدام الإرادة السياسية الصادقة لدى القادة المغاربيين في بناء فضاء مندمج بكل معاني الكلمة وعدم إشراك الجماهير والنخب المهتمة بالشأن العام في عملية بناء هذا الكيان. ولا ريب أن مرد هذا السلوك وتلك الممارسة إنما هو إلى غياب الديمقراطية الحقيقية في كل الفضاء المغاربي، فإلى متى سيبقى الأمر كذلك؟.

 

 

نواكشوط 20 فبراير 2009

 

 

 

مقالات ذات صله