مؤشرات التنمية البشرية غير دقيقة بما فيه الكفاية

يخضع السياق الدولي الذي يتسم بالعولمة لمنطق ليبرالية سياسية واقتصادية جامحة، تولد اللامساواة العميقة بين البلدان المختلفة من جهة، وبين الفئات المختلفة داخل تلك البلدان من جهة أخرى. ولقد أصبح هذا السياق يتسم أكثر من أي وقت مضى باتساع الفجوة التي تسبب الاستقطاب ذي الأبعاد الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والتي تنعكس بشكل أساسي في تقسيم المجتمع البشري إلى معسكرين متباينين: واحد غني والآخر عاجز وغير مستقر.

هذا التفاوت ومشاعر الظلم التي يولدها، تتسبب في الإحباط وتؤدي إلى اندلاع أعمال العنف، وتفاقم انعدام الأمن، وتهديد السلم الوطني والاستقرار الدولي. وهذا ما يجعل الحكومات تحاول معالجة أسباب الفقر وتواصل بذل أقصى جهودها للتخفيف من أسباب عدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. ومن أجل تحقيق ذلك، فالحكومات تقوم
بمحاولة اتخاذ التدابير التالية: فهم الاتجاهات الرئيسية، وتوقع التغييرات المحتملة، ومنع الاضطرابات الاجتماعية المفاجئة، وضمان إدارة التغيرات المتوقعة.

ولقد أدت رغبة الحكومات لفهم الحالة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنفسية لسكانها بأكبر دقة ممكنة، وقياس رفاهيتهم، وكبح الغضب الذي يولد الصراعات وعدم الاستقرار؛ إلى جعلها تقوم بتقييم مستوى التنمية البشرية لشعوبها، وتحديد مرحلة تطورها الاجتماعي والثقافي، وتعداد أشكال الراحة المتوفرة لها. وتحقيقا لهذه الغاية، فقد تم تطوير مجموعة من المعايير والمؤشرات لاستخدامها كمقياس للمواقف المختلفة. ولهذا، فقد أصبحنا نتحدث عن مفاهيم مثل: معدل دخل الفرد من الناتج المحلي، والحصول على الرعاية الصحية، وعدد السعرات الحرارية المستهلكة، والحصول على المياه الصالحة للشرب، والهاتف، والكهرباء، ونسبة الالتحاق الإجمالية، إلخ. ولكن هل هذه المؤشرات التي تهدف إلى قياس التنمية البشرية فعالة حقا لرصد الحالة الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية للسكان في بلد معين بصورة دقيقة؟ بالتأكيد لا! فهذه المعايير التي يتم تحديدها على أساس المعدلات العامة، تميل إلى توحيد النتائج وتجاهل الاختلافات الحادة. ومحاولة تخفيف حدة الوضع الحقيقي وجعل الشباك تعتمد على المعدلات التي تم حسابها واستنتاجها بطريقة تقريبية، لا يمكن أن تؤدي إلى تفسير دقيق للفوارق المتعددة الأبعاد التي تشكل اللامساواة الناجمة عن الليبرالية الاقتصادية الوحشية، التي أدى انعدام تنظيمها كما يعلم الجميع إلى الأزمة التي ما زال العالم يعاني منها. وهذا يعني أن مؤشر التنمية البشرية المستخدم في الوقت الحاضر كمرجع لقياس التقدم الاقتصادي للمجتمعات، ما هو إلا مؤشر تقريبي لحالات مختلفة، وأبعد من أن يكون معيارا دقيقا من شأنه أن يسمح بفهم الظواهر الاجتماعية بكل تعقيداتها، وبالبراعة المطلوبة. لذا، فلا يجب المبالغة في تقدير فعالية مؤشر التنمية البشرية في مكافحة المشاكل الاجتماعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى