نظرة نقدية للدبلوماسية الموريتانية

ترمي هذه  الورقة إلى  إلقاء نظرة معمقة على الدبلوماسية  الموريتانية  في المرحلة  الراهنة  من تطورها  ولذلك  الغرض  فسوف  نتفحص  السياسة  الخارجية  التي يفترض  أن  تكون  هذه الدبلوماسية  أداة لتجسيدها  وفق  مقتضيات  الموقع  الجيو- استراتيجي  والفضاء  الاجتماعي – الثقافي للبلاد.

كما ستحاول جاهدة قياس  فعالية و وظيفية  العناصر  المكونة  لهذه  الدبلوماسية  بالمقارنة  مع مقومات  وأساسيات  الدبلوماسية  المتعارف  عليها  دوليا  والساري  بها  العمل  عبر العالم.  والهدف  من ذلك  هو معرفة  مدي  صلاحية  تمفصل  مختلف الآليات  المكونة  للجهاز  المناط  به تدبير مختلف  أوجه  نشاط  الدبلوماسية  الموريتانية  والوقوف  على  نواقصه  ومثالبه  ومواطن ضعفه  وصولا  إلى تحديد الإصلاحات  والتوصيات  الكفيلة  بتفعيله وتحسين أدائه  ورفع  مرد وديته والارتقاء  إلى مستوى  المسؤوليات  الموكلة  إليه.

والجدير بالتنويه  في هذا  المضمار  أن الدبلوماسية  من حيث  هي نظام دولي توافقي هدفه تنظيم  وتقعيد العلاقات  الدولية  لم  تكن  وليدة الصدفة   ولم تبرز  إلى الوجود  بشكل  تلقائي  وبدون  سابق  إنذار  بل جاء ت نتيجة تراكمات  تجارب  الأمم  خلال  مختلف  مراحل  تطورها  عبر العصور.

ويتيح إلقاء نظرة سريعة  على أهم مراحل  تطور الدبلوماسية عبر التاريخ  فهم  الأسباب  التي تكمن  وراء  الإتقان المتزايد للممارسات الدبلوماسية  والوفرة  المضطرة للآليات  المادية  المعبأة من أجل  ذلك  الإتقان  وكذا  الكفاءات  المتصاعدة للموارد  البشرية  المستنفرة للاضطلاع  بمختلف  المهام  المتصلة بها.

 

 

التطور  التاريخي  للدبلوماسية:

لقد بدأت أول  بوادر الدبلوماسية حسب  مفهومها العصري  تظهر  إلى الوجود  خلال القرن الخامس عشر  عندما  حلت   الدول-القومية  محل الكيانات  ذات  الطابع  الإقطاعي  بأوروبا. وبدأت  هذه  الإرهاصات  تتخذ  شكل  تعبيرات  سياسية  ممنهجة في القرن السابع عشر  بعد معاهدة  وست بالي  وخلال  القرن  الثامن  عشر  دخل  مصطلح”الدبلوماسية” إلى القاموس اللغوي  واندمج  المدلول  الذي  يرمز إليه  هذا المصطلح ضمن التقاليد السياسية  فدل  في بداية  استعماله  على فن الدفاع عن مصالح الممالك  الأوروبية  المنصوص عليها  ضمن  مختلف  المعاهدات  المبرمة  بين هذه  الممالك  وأساليب العمل  على تسويغ  وتبرير مطالبها الاقتصادية  ومطامعها  الجيواستراتيجية.

ويمكن  القول  بهذا  الصدد  أن ما سمي ب “الوصية السياسية” لرجل الدولة  الفرنسي الكردنال  دي ريش الياه التي قام فيها  بتنظير ما أسماه  بفن  الحوار  الدائم ” قد أسست  لما عرف لاحقا  بالدبلوماسية  الحديثة. وبمرور  الزمن بات  مصطلح الدبلوماسية  يرمز  إلى إقامة  علاقات  سياسية  واقتصادية  واجتماعية  – ثقافية بين الدول  وذلك  عبر إقامة  ممثليات  دائمة  يرأسها  سفراء معتمدون  وفق قواعد  محددة  وحسب إجراءات  متفق عليها.

إن  إنشاء عصبة  الأمم  في فترة  ما بين الحربين  وقيام  منظمة الأمم المتحدة وجو الحرب  الباردة  الذي  ساد في  أعقاب  الحرب  الكونية  الثانية  وكذا  التعقيد المتناهي الذي  طبع  العلاقات  الدولية  في هذه الفترة كل ذلك  شكل  عوامل  أضفت علي الدبلوماسية  أهمية  كبري وأعطتها  دورا  متميزا  في حل  النزاعات  الدولية  عن طريق  الحوار  والمحادثات  السلمية  والتنازلات  المتبادلة  والمقايضات التوافقية.

 

طبيعة  الدبلوماسية  ومراميها

الدبلوماسية هي  العمل  الممنهج المتعدد الأشكال  والأبعاد الهادف إلى تجسيد  السياسة الخارجية  لدولة  بعينها وهذه  السياسة  يفترض  أن تكون  أحد جوانب نظرة  تلك  الدولة  إلى ذاتها  وفهمها للدور  الذي  ترشح نفسها  لاضطلاع به  على الصعيد  الدولي  وكذا  تصورها  للمكانة  التي تطمح إلى  احتلالها بين الأمم  وللمساهمة التي تطمح إلى  تقديمها  من أجل بناء  الحضارة  الكونية .

وبتعبير آخر  فإن الدبلوماسية  هي أداة  أو وسيلة  عمل  تستهدف  خدمة  استراتيجية  شاملة  ومتعددة الأبعاد  غايتها  السهر على مصالح البلد  على المدى القريب  والمتوسط والبعيد.

وبلورة هذه  الاستراتيجية  ينبغي  أن تأخذ في الحسبان  جغرافية  البلد  وتاريخيه  وخصوصياته  الثقافية  وموارده  الاقتصادية  ومواطن قوته ونقاط  ضعفه وهذه  المتغيرات  هي التي  ينبغي  أن تحدد معالم  الدبلوماسية  التي يجب اعتمادها  وحجم  الإمكانيات  المادية  والبشرية  الضروري تجنيدها . وبتعبير أكثر دقة  فإن  دبلوماسية  أي بلد  يجب أن  تضع نصب  عينيها  الأهداف  التالية:

  • تلميع صورة البلد  وتحسين  سمعته  وخلق انطباع  إيجابي عنه.
  • التعريف  بخياراته  السياسية  وتسويغ  المبادئ والقيم  الأخلاقية والفلسفية  الكامنة وراءها.
  • خلق تيار تعاطف  تجاه  خصوصياته  الاجتماعية  والثقافية  وقيمه  الحضارية.
  • العمل  على  توسيع  نطاق  إشعاعه السياسي  وسلامة أراضيه.
  • عمل كل ما بالإمكان  من أجل  ازدهاره  الاقتصادي  ورقيه  الاجتماعية  والثقافي.
  • السعي الحثيث إلى تقوية  نفوذه  على  الساحة الدولية والارتقاء  به  إلى مصاف  الأمم المرموقة.

وغني عن البيان أن السمو بالدبلوماسية إلى مستوي الرسالة  المنوطة بها  يستوجب أن تكون  العناصر  المكونة لها  ملائمة وفعالة  وذات أداء جيد. ولعله من الوارد أن نتساءل هنا  عن ماهية مكونات  وآليات الدبلوماسية  وطبيعة الخصائص  التي ينبغي أن تتوفر فيها .

وعن ما هية  الطرائق المثلي لعملها  وعن إمكانية قياس وظيفيتها وتقدير مردو ديتها.

 

 

العناصر المكونة للدبلوماسية:

  • سياسة خارجية واضحة المعالم

هذه السياسة ينبغي أن تتم بلورتها بناء على دراسات تحليلية  معمقة للسياق الدولي  وذلك من طرف مجموعات من الخبراء المتعددي الاختصاصات  تعمل  ضمن إطار مؤسسة  مختصة  مكلفة بإنجاز بحوث ودراسات استراتيجية  تدمج ضمن  تحليل المنظومات  وتعتمد المقاربات  الاستشرافية واستقراء الإرهاصات المستقبلية.

وهذه السياسية الخارجية يجب أن يصار بانتظام إلى تحيينها وتصويبها وتدقيقها  تبعا لمقتضيات الظروف  القائمة  ومتطلبات الملابسات السائدة  على أن يوكل  إنجاز ذلك  إلى فريق  من السياسيين المحنكين والدبلوماسيين  المجربين  والاستراتيجيين الممارسين يعملون  ضمن دوائر خاصة  تحت إشراف رئاسة الجمهورية  وبتعاون وثيق مع المصالح المختصة بوزارة  الخارجية و مع رؤساء  البعثات الدبلوماسية بالخارج على أن يكون  تدفق المعلومات بين كل هذه الهيئات على جانب كبير من الكثافة  والانسيابية والسرعة.

والمواقف التي يتبناها  البلد حيال قضايا الساعة  المصيرية  وكذا التحالفات  التي ينتظم فيها البلد ينبغي أن تستند  هي الأخرى إلى دراسات معمقة وتسترشد بنتائج  تحريات  شاملة  ورصينة يطبعها  التبصر والحصافة على أن تمتاز  هذه  المواقف بما تمليه  الظروف  من  المرونة والبرغماتية.

  • أطر دبلوماسية ذات مستويات  ثقافية  ومهنية  عالية.

أ – رئيس الدبلوماسية الوطنية : وزير الخارجية

يجب  أن يكون على رأس  الدبلوماسية  الوطنية  شخص متميز  ذو كار سما  ملحوظة  وله قدرات ثقافية  كبيرة  وكفاءة مهنية موثوق بها.

فوزير الخارجية  لا بد أن يكون شخصا  ملما  بكل جوانب  سياسة بلاده  وعلى اطلاع كامل  بآليات وهيئات  الأمم المتحدة  ويكون متمرسا بطرق عملها  وأساليب سيرها، ولعل الشخص المثالي  للإطلاع  بأعباء هذا المنصب  على الوجه المطلوب هو  رجل أو “امرأة”  مزدوج الثقافة ناطق بعدة لغات حاد الذكاء مرهف الحس  ذو حدس وفطنة  متوقدين  وعلى جانب كبير  من التمدن ورقة الطباع.

ولقد لخص السياسي الفرنسي  تاليراه  المواصفات  الضروري توفرها في وزير الخارجية  على النحو التالي:

” إن وزير الخارجية  يجب أن يبدو  متفتحا دون البوح بما يجب كتمانه من الأسرار  ويجب أن يكون متحفظا  دون أن يبدو منكمشا أو منغلقا على نفسه، ويجب أن تتسع حذاقته   ولباقته حتى  تشملا  اختياره  لوسائل تسليته، ويجب أن يكون حديثه مبسطا وطبيعيا  وطريفا  وممتعا، وبعبارة واحدة فإن عليه أن لا يكف لحظة واحدة  خلال الأربع والعشرين ساعة  عن أن يكون وزير الخارجية”.

ب –  رؤساء البعثات الدبلوماسية والقنصلية

  • السفراء:

إنهم رجال سلطة مكلفون بتمثيل الأمة ومؤسساتها لدى بلدان أجنبية. والسفير كامل السلطة بمعني أنه منتدب لتمثيل بلده لدى سلطات بلد الاعتماد  وهو مخول  بان يتكلم وأن يفاوض  عند الاقتضاء باسم  بلده،  وهو مكلف كذلك  باستقبال  ونقل  كل الخطابات  والرسائل التي  يتم تبادلها بين حكومته وحكومة البلد المضيف كما أنه المصدر الرسمي والمأذون لكل المعلومات والبيانات المتعلقة ببلده.

ومهام السفير تشمل التمثيل والإعلام والتفاوض والسهر  على مصالح البلد وسلامته

فالسفير:

  • يمثل رئيس الدولة والحكومة وكافة المؤسسات الوطنية وتنظيمات المجتمع المدني بالبلاد.
  • يضطلع بإخبار حكومته بكل ما يجري في بلد الاعتماد من أحداث وتطورات وما هو بصدد إنجازه من مشاريع  وماله من توجهات كما أن عليه تعريف حكومة بلد الاعتماد ومؤسساته  بالسياسة العامة المنتهجة من طرف حكومته  وتسويغ  هذه السياسة وتبريرها  عند الضرورة.
  • يسعى من خلال الحوار إلى تسوية الخلافات  وحل النزعات  التي قد تنشب  بين بلده وبلد الاعتماد صونا للعلاقات الطيبة مع هذا البلد وإبقاء  الصداقة والتفاهم معه،
  • يسهر على صيانة  مصالح الفاعلين الاقتصاديين لبلده في دولة الاعتماد  ويحرص على أن لا يكون مواطنوه عرضة لأي شكل من أشكال الظلم والتمييز، ويعمل على التحسين المضطرد لأوضاع الجاليات الوطنية  المقيمة بدائرته الدبلوماسية وعلى تسهيل وتوسيع نطاق المبادلات  التجارية والاجتماعية  والثقافية  بين بلاده  والبلد المضيف.

ولكي يكون على مستوي المسؤوليات الملقاة على عاتقه  فلا بد للسفير أن يكون متوفرا  على الموارد المعرفية الضرورية وان يكون ملما  بأساسيات الثقافة الاقتصادية  دون  أن يكون بالضرورة مختصا في الاقتصاد ، ولابد أن يكون له مستوي  أكاديمي  ووعي سياسي  كفيلين بتمكينه من إدراك واستيعاب  كل جوانب سياسات بلده وسياسات البلد المضيف وكذا سياسيات حلفاء  كل منهما ومنافسيه، وكل هذا يقتضي أن يكون السفير يتمتع فضلا عما تقدم  بتوقد الذهن ونفاذ البصيرة وصواب التقدير  ورصانة الرأي كما يجب أن يلزم نفسه  بالحذر والتحفظ وعليه أن يعرف كيف يستمع وكيف يتحدث في لغتين  على أقل تقدير وعليه أيضا أن يعرف  كيف ومتي يصمت فكما قال فيفانتي : “كلما كان عند المرء ما يقوله  كلما كبرت حاجته  إلى معرفة كيف يصمت” ، والسفير فوق هذا وذاك مطالب بالتزام التعقل والاعتدال في عرض الآراء والأطروحات  التي يتبناها بلده

القناصل العامون

وهم وكلاء رسميون موفدون من قبل الدولة من أجل السهر على المصالح القنصلية والاقتصادية لمواطنيها المتواجدين في بلد الاعتماد .  فهم عبارة عن إداريين ومراقبين معتمدين من طرف بلدهم لدى بلدان أخرى , لرعاية مصالح الجاليات الوطنية والسهر على احترام المعاهدات المتعلقة بالملاحة والتجارة وإقامة المواطنين في دولة الاعتماد وتنقلاتهم بينها وبين بلدهم.

 

المستخدمون الدبلوماسيين والفنيون

 

ويتعلق الأمر هنا بموظفين دبلوماسيين وأعوان وفنيين وإداريين تم إلحاقهم بالبعثات الدبلوماسية والقنصلية الوطنية من أجل مساعدة رؤساء تلك  البعثات في إنجاز المهام الموكلة إليهم.

إن المسلكيات الأخلاقية للموظفين الدبلوماسيين يجب أن تكون فوق الشبهات كما أن النزاهة والاتزان وروح المسؤولية يجب أن تشكل المعايير الأساسية لانتقاء وإيفاد هؤلاء المواطنين ومن يشاكلهم من أعوان وفنيين وإداريين إلى الخارج . ذلك أن بلدا يرضى لنفسه أن يكون ممثلا من طرف أشخاص غير محترمين فإنه لا يحترم نفسه .

ومن المعلوم لدى الجميع أن البلدان تعتبر بشكل تلقائي الدبلوماسيين المعتمدين لديها عينة ممثلة لبلدهم ونموذجا حيا يمكن الحكم من خلاله  على خصال ومميزات شعب ذلك البلد برمته.

ومن ثمة يتوجب على الحكومة أن تمنح للموظفين الذين يمثلونها في الخارج الإمكانيات الضرورية الكفيلة بجعل سلطات وشعوب بلدان الاعتماد يكونون فكرة طيبة وانطباعا إيجابيا عن هؤلاء الموظفين وعن بلدهم وشعبهم. فيجب أن يكون مستوى الحياة التي ينعمون بها مدعاة للاعتبار والتقدير إذ أن الدبلوماسيين أيا كانت مستوياتهم يمثلون شيئا يفوق أشخاصهم ويتجاوز ذواتهم.

 

3ـ بعثات دبلوماسيين مزودة بالوسائل الضرورية وموزعة توزيعا جغرافيا محكما:

 

إذا كان عدد البعثات الدبلوماسية التي يتوفر عليها بلد ما يختلف تبعا للإمكانيات المادية لذلك البلد ولسعة نفوذه السياسي والاقتصادي فإن توزيعها عبر العالم يجب أن يخضع لضوابط  محددة ودقيقة ولعل من أهمها الموقع الجغرافي الذي يحدده الانتماء شبه الجهوي والجهوي  والقاري لكل بلد على حدة.

فجغرافية كل بلد وتاريخه وسوسيولوجيته وثقافته وموارده الطبيعية وإمكانياته الاقتصادية تشكل مجتمعة العوامل التي تحدد الحيز السوسيو- ثقافي الذي ينتمي إليه  والفضاء الاقتصادي الذي لا مناص له من التحرك والتطور ضمنه. وهذه الاعتبارات هي التي يجب أن تملي على أي بلد التوزيع الجغرافي لبعثاته الدبلوماسية والقنصلية. وبعبارة أخرى فإن توزيع البعثات الدبلوماسية والقنصلية عبر العالم لا ينبغي أن يكون اعتباطيا ولا عشوائيا بل يجب أن يراعي عدة اعتبارات من أهمها: التماس الجغرافي وتوحد المصالح الاقتصادية وتقاطع الاستراتيجيات الجيو-سياسية .

وغني عن البيان أن البعثات الدبلوماسية والقنصلية يجب أن تسخر من أجل :

ـخدمة الجاليات الوطنية المقيمة في الخارج

ـ تسهيل كل أشكال المبادلات التجارية وغيرها.

ـ  خلق الإشعاع الثقافي للبلد وتوسيع نفوذه السياسي والمعنوي

– تلميع صورة البلاد وتحسين سمعتها على مستوى الهيئات والمنتديات الدولية.

ـ توسيع دائرة أصدقاء البلد وخلق تيار تعاطف معه و نظرة إيجابية إليه

ـ الإسهام في توسيع مشاركته في تشكيل مصير البشرية .

ولكي تكون البعثات الدبلوماسية والقنصلية مؤهلة للنهوض بهذه المسؤوليات فإنه من الضروري توفرها على الوسائل اللوجستيكية المطلوبة والتجهيزات الفنية الملائمة والإمكانيات المالية الكافية .

ولكي يكون فعالا فإن توزيع البعثات الدبلوماسية عبرالعالم يجب بدوره أن يكون مصحوبا بهيكلة وظيفية لوزارة الشؤون الخارجية بحيث يصار إلى ربط عمل التمثيليات الدبلوماسية في الخارج بعمل المصالح المختصة للوزارة ضمن حركية منسجمة تستهدف تجميع ومعالجة المعطيات وتوفير عناصر التقييم الدقيقة ووضعها رهن إشارة صانعي القرار السياسي بالبلاد مما سيؤثر إيجابا على بلورة سياسة البلاد الخارجية .

 

الدبلوماسية الموريتانية كما هي :

من أجل تقييم مضمون الدبلوماسية الموريتانية والحكم على فعاليتها وتقدير مردوديتها فإنه يجب النظر اليها على ضوء المعايير التي تعرضنا لذكرها فيما تقدم والمتمثلة في سياسة خارجية واضحة المعالم وموظفين أكفاء وتمثيليات دبلوماسية متوفرة على التجهيزات الضرورية وموزعة توزيعا جغرافيا معقلنا بالإضافة إلى تنسيق محكم بين أعمال مختلف ميكانسمات الجهاز المكلف بالإضطلاع بدبلوماسية البلاد.

ولنتفحص الآن العناصر المكونة للدبلوماسية الموريتانية كلا على حدة بهدف الحكم على فعاليتها وقياس أدائها .

فيما يتعلق بالسياسة الخارجية التي يفترض أن تكون الإطار المرجعي والنبراس الهادي للدبلوماسية الوطنية فإنه كان من الأولى أن تكون أقل سلطوية وتلقائية وارتجالية وأكثر نزوعا إلى التروي والاتزان والتحليل والتشاورية. كما انه كان من المفيد أن تكون وليدة تحاليل تقاطعية وتشاوريه شاملة يعهد بإنجازها إلى إستراتيجيين مجربين وسياسيين محنكين وخبراء مقتدرين .

والعمل السياسي يجب أن يكون مرتكزا على تقديرات دقيقة ومستنيرة تدعمها الدراسات والتحريات والاستقراء كما ينبغي أن يندرج في إطار إستراتيجية شاملة ومتكاملة لا يؤثر على رسمها تقلب المزاج ولا الذاتية أو الإرادوية السلطوية .

ويجب أن تكون لسياسة البلاد الخارجية معالم جلية يسير على هديها الفاعلون الدبلوماسيون ويسترشد بها كل العاملين في الحقل الدبلوماسي.

وفي ما يعني رئيس الدبلوماسية الوطنية فإن اختياره يجب أن يتم على معايير موضوعية دقيقة تأخذ بعين الاعتبار الخصال الأخلاقية والقدرات الفكرية والمؤهلات المهنية ذلك أن عدم توفر هذه المواصفات فيمن تسند إليه مهام وزير الخارجية من شأنه أن يقلل  من فعالية نشاطه في المحافل الدولية ويحد بالتالي من إشعاع البلاد ونفوذها وتأثيرها الخارجي.

وبخصوص رؤساء البعثات الدبلوماسية والقنصلية الوطنية فإنه يجب أن لا يتم تعيينهم على نحو اعتباطي وكما اتفق , إذ أن المسؤوليات التي عليهم تحملها تقتضي بحكم طبيعتها قدرا كبيرا من الالتزام والاقتدار والكفاءة المهنية ليست في متناول من هب ودب.

 

وفيما يتصل بوزارة الشؤون  الخارجية بوصفها نقطة التقاطع بين نشاطات كل آليات الجهاز الدبلوماسي الوطني ومصب كل أقنيته ومركز تجميع ومعالجة جميع مدخلاته وإنتاج وبث كل مخرجاته ، فإنه يجب أن يصار إلى تنظيمها وهيكلتها وتجهيزها وفق متطلبات النشاط الموكل إليها وطبيعة المهام المنوطة بها.

أما بخصوص البعثات الدبلوماسية والقنصلية الوطنية فكان حريا بتوزيعها الجغرافي أن يكون أكثر عقلا نية بحيث يؤمن تغطية أكثر ملائمة للعالم كما أن فعاليتها ومقدرتها على دفع وتنشيط الدبلوماسية الوطنية كان من شأنها أن تكون أكبر لوانها أي البعثات الدبلوماسية توفرت على الموارد المادية والبشرية الضرورية لتأمين ذلك.

 

ويتيح إلقاء نظرة متفحصة على العناصر المكونة لجهازنا الدبلوماسي  الوقوف على نواقص ومثالب وعيوب وظيفية تجب معالجتها بالسرعة المستطاعة لتدارك مفعولها السلبي على أداء الدبلوماسية الوطنية. من ذلك أن العديد من رؤساء تمثيليات البلاد بالخارج لا يتوفر على المؤهلات المهنية الضرورية ولا على التألق والكارسما الشخصيين المستحبين . كما أن اختيار أماكن اعتمادهم لم يكن دائما يتم على نحو عقلاني إذ يحدث أن بعض من لهم تكوين محظري صرف وليس لهم إلمام بأي لغة أجنبية يوكل إليهم تمثيل البلاد بأوربا وأمريكا. وفي المقابل قد يعهد بتمثيل البلاد في دول عربية ذات أهمية كبيرة إلى رجال تكاد ثقافتهم العربية تكون معدومة . وغني عن البيان أن هذا ينعكس سلبا على أداء ومردودية هؤلاء الدبلوماسيين كما يضعف من فعاليات الدبلوماسية الوطنية بشكل عام.

وفي الوقت الراهن فإن تمثيلياتنا الدبلوماسية والقنصلية البالغ عددها 34 تمثلية ليست موزعة على العالم بشكل عقلاني حيث أن البلاد ممثلة أكثر من اللازم في الشرق الأوسط وليست ممثلة بما فيه الكفاية في أفريقيا السوداء و الدول الإسكندنافية كما أنها غائبة بالمرة في أمريكا اللاتينية وفي الدول الأسيوية المهمة مثل الهند والباكستان وأندنوسيا وماليزيا.. يضاف إلى كل ما تقدم أن كافة بعثاتنا الموجودة الآن لا تتوفر على ما يتطلبه أداء عملها من الموارد البشرية والمالية.

إن العدد المحدودللموظفين الدبلوماسيين العاملين بتمثيلياتنا في الخارج والضعف الملحوظ لمستوياتهم الثقافية وتدني مؤهلاتهم المهنية من جهة وقلة الموارد المخصصة لهذه التمثيليات وعدم انتظام مدها بالاعتمادات اللازمة من جهة أخرى كل ذلك يحد من نشاطاتها ويضعف من فعاليتها ويقلل من مرد وديتها ممايحد من دائرة إشعاعها وحقل تأثيرها.

أضف إلى ذلك أن من يلقي نظرة ناقدة على الوزارة لا يمكنه إلا أن يلاحظ  أنها قد تمت هيكلتها على نحو غير محكم حيث أن آليتها تبدو متفككة ومتناثرة لا تتمفصل مع بعضها بشكل وظيفي قويم وكأن تصورها وإقامتها أصلا لم يتما وفق نظرة واضحة وحسب  فهم عميق لماهية مهامها ومراميها.

كما أن البنى الخارجية عنها المفروض أن تكون مكملة لها و التي تتمثل في البعثات الدبلوماسية الوطنية لا ترتبط ارتباطا عضويا  محكما بهياكل الوزارة بحيث تعمل معا عمل أجزاء متكاملة لماكنة واحدة. بل الممثليات الدبلوماسية الوطنية تراوح مكانها بواد ومصالح الوزارة تدور بواد آخر . يضاف إلى كل ذلك أن عدم انسياب المعلومات بين السفارات في الخارج والوزارة الأم يضعف كثيرا من فعالية دبلوماسية البلد ويقلص من تأثيرها ووقعها الدولي .

فكيف العمل والحالة هذه من أجل إيجاد دبلوماسية وطنية من شأنها أن تسهم في الإشعاع السياسي والثقافي للبلاد واتساع دائرة نفوذها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وصولا إلى تسلمها مكانة مرموقة بين أمم العالم.

 

 

مما لا شك فيه أن بلوغ ذلك الهدف يتطلب بلورة سياسية خارجية منسجمة ومتعددة الأبعاد تكون نبراسا هاديا للعاملين في الحقل الدبلوماسي على أن توكل بلورة هذه السياسة إلى الهيئات المؤهلة لذلك . كما أن ذلك يتطلب تحري انتقائية أكبر في اختيار الأطر الدبلوماسية الوطنية.

ويجب أيضا تعميق تمهين رؤساء البعثات الدبلوماسية وذلك عبر الإرشاد الدائم والتكوين المستمر والتوجيه والتوعية المتواصلين من خلال تنظيم الورشات والحلقات الدراسية والمؤتمرات لفائدة كافة الدبلوماسيين.

ويجب تزويد تمثيليات البلاد بمعدات فنية فعالة وذات أداء عال جديرة بتحسين عمل أقنية التواصل بين هذه التمثيليات والمصالح المركزية للوزارة الوصية ولا ريب أن أنجع السبل إلى ذلك تتمثل في استعمال مكثف لشبكةالآنترنت . أما تفعيل الوزارة وزيادة وظيفيتها فإنهما يقتضيان كما أومأنا إليه أكثر من مرة في سياق هذا الحديث تزويدها بالمعدات الفنية الملائمة وبالكوادر البشرية العالية الكفاءة . فذلك وحده هو الكفيل بالرقي بها إلى المستوى الذي تقتضيه دبلوماسية فعالة قادرة على مواجهة بل ورفع تحديات العصر.

ففي ظل الظروف القائمة والملابسات السائدة التي تتطلب ترشيد الإمكانيات وعقلنة استعمال الموارد فإنه يجب أن تكون لدبلوماسيتنا مردودية تبرر ما تكلفه من نفقات وصولا إلى تحويلها من عامل إهدار لإمكانيات البلاد إلى أداة تطوير اقتصادي واجتماعي ووسيلة إشعاع ثقافي وسبيل تأثير سياسي من شأنها مجتمعة أن ترتقي بالبلاد إلى مصاف الأمم التي يحسب لها حسابها في هذه الحقبة من تاريخ البشرية .

 

2000

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى