موريتانيا وإشعاعها الفكري و الروحي ضمن الفضائين الإفريقي والعربي

 

التصميم:

 

مقدمة

1- الفضاء الذي اقتطعت منه موريتانيا ومختلف أسمائه.

أ. ملابسات قيام موريتانيا الحالية

ب. دلالة تسمية البلاد بهذا الاسم

ج. الإطار الجغرافي لموريتانيا الحالية

د. ساكنة بلاد شنقيط.

2- نشأة وتدرج النهضة العلمية في بلاد شنقيط.

أ. حركة المرابطين

ب. العمل الجهادي

ج. النشاط الفكري.

3- الأوضاع في بلاد شنقيط ما بين القرنين 17 و 19 للميلاد.

أ. التحول الاقتصادي

ب. الازدهار الثقافي.

 

4- الإشعاع الفكري للشناقطة ضمن الفضاء الإفريقي

أ. تأثير حركة المرابطين

ب. تأثير الهجرات الشنقيطية صوب المناطق السودانية

ج. تأثير حركة الإصلاح الدينية للإمام ناصر الدين

5- الإشعاع الفكري لبلاد شنقيط ضمن الفضاء العربي :

أ. مرحلة التلقي والاستيعاب

ب. مرحلة العطاء والتأثير

ج- التواصل الثقافي مع المغرب العربي

د- التواجد على الساحة المشرقية.

6- الأوضاع الثقافية الراهنة بموريتانيا وآفاق المستقبل.

أ- السياسات الثقافية الاستعمارية وتداعياتها

ب-إصلاحات المنظومة التعليمية و مضاعفاتها

ج-دور موريتانيا في توطيد النفوذ العربي في إفريقيا الغربية


“موريتانيا وإشعاعها الفكري و الروحي ضمن الفضائين الإفريقي والعربي هو الموضوع الذي سوف أحاول من خلال تناوله في سياق هذه الورقة  أن أتعرض  إلي الملابسات التي اكتنفت قيام موريتانيا الحديثة ضمن حيز محدود من الفضاء الرحب الذي كان لحقبة طويلة من الزمن يعرف ببلاد شنقيط. وسأبين دلالة التسمية التي أختارها المستعمر الفرنسي لهذا البلد كما سأتناول بالذكر المكونات الأساسية لساكنته وظروف انتشار الإسلام بين ظهرانها والازدهار الثقافي والفكري والروحي الذي عم أرجاءها لردح طويل من الزمن. وسوف أتعرض في سياق هذه الدراسة للإشعاع الفكري لموريتانيا ضمن الفضائين الإفريقي والعربي مبينا جوانب التأثر والتأثير التي نجمت عن احتكاك الموريتانيين بسكان البلدان الإفريقية المتاخمة لبلادهم وعن تواصلهم ببني جلدتهم في كل من المغرب والمشرق العربيين.

وسأشير إلى الأوضاع الثقافية الراهنة بموريتانيا وأسباب قيامها على أن اختتم ببعض الملاحظات والاستنتاجات، معربا عن بعض التمنيات  والتطلعات إلى تفعيل دور موريتانيا وصولا إلى تقوية الروابط الثقافية بين الأقطار العربية والدول الإفريقية في ظل ظروف العولمة والتنافس الثقافي والصراع الحضاري الذي يزداد حدة وضراوة مع مرور الأيام.

فموريتانيا الحديثة كما سيتضح لنا  كيان جيوسياسي قام على أنقاض فضاء واسع عرف منذ القدم تحت أسماء مختلفة. وقد تم أنشاء ذلكم الكيان وفقا لإرادة الاستعمار الفرنسي وتمشيا مع مقررات مؤتمر برلين سنة 1885 الذي تم خلاله تحديد مناطق نفوذ كبريات الدول الأوربية.

فما هو ذلك الفضاء؟ وما هي مختلف الأسماء التي عرف بها؟ وما هي ملابسات قيام موريتانيا الحالية؟ وما دلالة الاسم الذي تحمله اليوم؟ هذه تساؤلات سنحاول الإجابة عليها في سياق هذه الورقة.

 

1- الفضاء الذي اقتطعت منه موريتانيا ومختلف أسمائه :

قبل مجيء الاستعمار الفرنسي خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر كان المجال الذي يشمل موريتانيا الحالية يعرف ببلاد التكرور وقد حدده الطالب محمد بن أبي بكر البرتلي صاحب : “فتح الشكور في معرفة أعيان علما التكرور” المتوفى سنة 1804م،

بأنه “إقليم واسع ممتد شرقا إلى أدغاع ومغربا إلى بحر بني الزناقة وجنوبا إلى بيط وشمالا إلى آدرار”..

وابتداء من أوائل القرن الثامن عشر اشتهر هذا الفضاء ببلاد شنقيط. وقد عرفه  الشيخ محمد  المامي(م 1875) باسم”البلاد السائبة و بالمنكب البرزخي” ورسم  حدوده من الجنوب إلى الشمال فقال : “إنه يمتد من نهر شمالي شمامة إزاء السنغال جنوبا إلى الحمادة جنوبي سلجلماسة والساقية الحمراء حتى بلاد السوس شمالا” وقد أطلق الشيخ سيديا بابا (ت.1922) على هذا المجال اسم “البلاد المغربية الصحراوية البيضانية”.

وقد عرف هذا الفضاء أيضا باسم بلاد صنهاجة الملثمين.

أ. ملابسات قيام موريتانيا الحالية:

لقد أطلق هذا الاسم على البلاد بناء على قرار وزاري فرنسي صادر بتاريخ 27 دجنبر (كانون أول) سنة 1899م. وذلك تمهيدا لاحتلالها ووضعها تحت السلطة الفرنسية. وبموجب مرسوم مؤرخ في 4 دجنبر (كانون أول) سنة 1920 تم تحويل موريتانيا إلى مستعمرة فرنسية تابعة لمستعمرات غرب إفريقيا. وبعد ما يربو على نصف قرن من الاحتلال حصلت البلاد على استقلالها السياسي. ومن المعلوم أن من أهم الدوافع التي حدت بفرنسا لاحتلال موريتانيا هو تأمين جسر آمن بين مستعمراتها في إفريقيا الغربية ومستعمراتها في المغرب العربي. فضلا عن إخضاع الإمارات الموريتانية الواقعة على ضفتي نهر السنغال والتي كانت في صراع مرير معها منذ القرن السابع عشر.

ب. دلالة تسمية البلاد بهذا الاسم :

هذا الاسم مشتق من الكلمة اللاتينية Maure أو Moros التي أطلقها الرومان على الأقوام ذوي السحنات السمراء الذين كانوا يقطنون في الشمال الإفريقي. وتهدف هذه التسمية إلى إحياء ذكرى التواجد الروماني في الشمال الإفريقي حيث كانت المستعمرات الرومانية في الشمال الإفريقي تشمل إقليم موريتانيا القيصرية الذي يضم منطقتي المغرب الأوسط والجزائر وعاصمتها شرشل وإقليم موريتانيا الطنجية التي كانت تضم منطقة المغرب الأقصى وعاصمتها طنجة.

ج. الإطار الجغرافي لموريتانيا الحديثة :

إن مجال موريتانيا الحالية وحدودها الترابية تتأطر بين خطي عرض 15 و27 درجة شمالا وخطي طول 8 و16 درجة غربا وهي تغطي مساحة 1.030.700 كلم2 وتحدها من الشمال الشرقي الجزائر ومن الشمال الصحراء الغربية ومن الجنوب الشرقي مالي ومن الجنوب السنغال ومن الغرب المحيط الأطلسي.

ذلك هو الكيان الجيوسياسي الذي اقتطعه الاستعمار الفرنسي من الفضاء الذي عرف باسم بلاد شنقيط وتلك هي الملابسات التي اعتورت ذلك الإجراء.

 

د. ساكنة بلاد شنقيط :

إن الاكتشافات الحفرية والرسوم الصخرية والأدوات الحجرية التي تم العثور عليها في مختلف مناطق البلاد تدل على أنه قد عاش بموريتانيا منذ عصور ما قبل التاريخ أقوام يعتمدون على الفلاحة والصيد وتنمية الأبقار والخيول والجمال.وتضمنت الرسوم الصخرية المكتشفة أحرفا من الأبجدية البربرية المعروفة بـ “تفيناغ”. وانطلاقا من هذه الاكتشافات واعتمادا على كتابات المؤرخين اليونانيين والرومانيين القدامى أمثال هرودوت وتوسيديد، فقد ثبت أن موريتانيا كانت مأهولة منذ القدم من طرف قبائل الليبيين الأوائل الذين عاصروا القرطاجنيين والرومان إبان تواجدهم في الشمال الإفريقي وقد كان ثمة أناس من أصول زنجية تواجدوا في البلاد منذ فجر التاريخ.

وعند ما بدأت الفتوحات الإسلامية خلال القرن السابع الميلادي كانت تعمر موريتانيا قبائل تدعى صنهاجة. وكان من أهمها : لمتونة في الشمال وكدالة في الجنوب الغربي ومسوفة في الجنوب الشرقي. وقد انتشر الإسلام بين ظهران هذه القبائل الصنهاجية على يد العرب الفاتحين الأوائل وعن طريق التجار والدعاة القادمين من الشمال.

وقد شرع الصنهاجيون في خوض الجهاد ضد المماليك السودانية الوثنية اعتبارا من سنة 1023م تحت قيادة أميرهم تراسين. ثم خلفه الأمير يحي ابن إبراهيم الكدالي الذي يرجع الفضل إليه في الانطلاقة الأولى لحركة المرابطين ببلاد شنقيط. قبل أن تتحول إلى دولة عتيدة بسطت نفوذها على المغرب ثم على الأندلس بعد ذلك.

واعتبارا من القرن السادس عشر بدأت القبائل العربية المعقلية تتوافد على بلاد شنقيط حيث اختلطت بقبائل صنهاجة وتعايشت معها في الفضاء الذي كانت تتساكن فيه مع المجموعات الزنجية المجاورة لها.

ونتيجة للحروب و التأثير و التأثر برز إلى الوجود في بلاد شنقيط على نحو تدريجي مجتمع قائم على أساس تنظيم هرمي يكرس تراتبية اجتماعية محددة المعالم. وهذا النظام الاجتماعي ذو البنية الهرمية هو الذي كان يقوم عليه المجتمع الصنهاجي العربي و المجتمع الزنجي المتعايش معه في نفس المجال الجغرافي على حد سواء.

 

فعند المجتمع الصنهاجي العربي التقليدي تأتي على رأس الهرم فئة بني حسان المحاربة ذات الأصول العربية.تليها فئة الزوايا أي سدنة العلم و هم في الغالب من أصول صنهاجية. ويلي ذلك الفئات الغارمة من أصول عربية و صنهاجية و تضم المجموعات التي لا تحتمي بسيف و لا تجري قلما ويطلق عليها إسم “اللحمة” وتأتي بعد ذلك فئات الحدادين والمغنين و الصيادين وفي أسفل الهرم تأتي الفئات المستعبدة.

ونجد عند المكونات الزنجية الثلاثة للمجتمع الموريتاني التقليدي نفس التراتبية ضمن هرم اجتماعي مماثل. فعند مجموعة “الهال بولار” تتسنم الهرم فئة مايسمى بالأحرار (الرنباو) وتضم رجال الدين(التوروبي)وحملة السلاح(السبى)ويأتي بعد ذلك فئة المطربين والحرفيين(دياونبى) ثم فئة المشتغلين بالنسيج و الفخار(المابوبى) وتأتي فئة الحدادين و الصاغة(اللاؤوبى) و في أسفل السلم الاجتماعي تأتي فئة المستعبدين(الماتيوبى).

و عند مجموعة “السوننكي” تأتي على رأس الهرم فئة الأحرار(الهورو) المكونة من رجال الدين(المودينو) و المحاربين (التوكينو) ثم تأتي فئات الحرفيين من حدادين ودباغين و من شاكلهم و يعرفون ب(نياخالامو) وفي أسفل الهرم تتموقع فئة العبيد المحررين و يدعون ب(الكومو).أما عند قبائل “الولوف” فانه يوجد على قمة الهرم فئة النبلاء المعروفة ب( الجير) تليها فئة أصحاب الحرف(نيانو) وفي أسفل السلم توجد فئة العبيد المحررين (ديام).

وهكذا  نرى أن بنية الهرم الاجتماعي ونمط النظام التراتبي عند كل مكونات المجتمع الشنقيطي التقليدي هي متطابقة. إلا أن هذه التركبة الاجتماعية و التخصص المهني المتوارث الذي كان يكمن وراءها قد تلاشيا تدريجيا بمفعول عصرنة الإقتصاد و التحولات الاجتماعية و الثقافية المواكبة له منذ أن عرفت الحداثة طريقها إلى البلاد.

2- نشأة وتدرج النهضة العلمية في بلاد شنقيط :

أ. حركة المرابطين:

لقد شكل دخول الإسلام إلى بلاد شنقيط خلال القرن الثامن للميلاد واعتناق سكانها له إضافة إلى إحساسهم بضرورة فهم القرآن واستيعاب التعاليم الدينية، شكل ذلك المنطلق الأول للنهضة العلمية التي بدأت تنمو وتتسع في البلاد إلى أن بلغت شأوا عظيما في الفترة الواقعة بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد.

ولا شك أن حركة المرابطين التي نشأت وترعرعت خلال القرن الحادي عشر الميلادي على شواطئ المحيط الأطلسي تعتبر العامل المؤسس للنهضة العلمية التي عرفتها بلاد شنقيط والريادة الفكرية التي اضطلعت بها اعتبارا من ذلك التاريخ.

فقد أسست هذه الحركة أول رباط لها على بعد 60 كلم شمال غربي مدينة نواكشوط الحالية.

فكان مركزا لتلقين مبادئ الدين الإسلامي وتدريس أصوله وفروعه كما كان منطلقا للحملات الجهادية الهادفة إلى نشر تعاليمه وخاصة المذهب السني المالكي الصرف في الشمال الإفريقي وبين ظهران الممالك السودانية في الجنوب.

ب. العمل الجهادي :

لقد كان الهاجس الأساسي لحركة المرابطين هو نشر وترسيخ ما يعتقدون أنه المبادئ الصحيحة للدين الإسلامي في المناطق المتاخمة لبلاد شنقيط جنوبا وشمالا. فسيروا لهذا الغرض جيوشا نحو جنوب المغرب ونحو الممالك السودانية. فأخضعوا مدينة كونبي صالح الواقعة على بعد 100 ميل جنوب غربي ولاتة في الشرق الموريتاني والتي (أي كونبي صالح) كانت عاصمة لمملكة غانا. كما استولوا على مدينة أوداغوست الواقعة أيضا في شرق البلاد على مسافة 40 كلم من مدينة تامشكط الحالية والتي كانت عاصمة قديمة لقبيلة مسوفة الصنهاجية.

ج. النشاط الفكري :

لقد حرصت حركة المرابطين في طور نشوئها على الاضطلاع بتدريس العلوم الدينية بنفس المقدار الذي حرصت به على المضي في الجهاد والفتوحات. فقد أحاط الزعيم المرابطي الأمير ابوبكر بن عمر نفسه برجال علم متمكنين واسند إليهم مهام التدريس والقضاء كما سنرى لاحقا. ولم يتوقف المد العلمي في بلاد شنقيط بعد اختفاء حركة المرابطين في ذلك الربوع بل استمر في التصاعد والاتساع. فتحولت حواضر البلاد التي كانت تعرف بقرى صنهاجة إلى بؤر علمية ومنارات إشعاع فكري.

وهذه الحواضر هي :

  • حاضرة ولاتة وهي مدينة قديمة في الشرق المويتاني يحتمل أن تكون قد أسست خلال القرن الثامن للميلاد. وقد زارها الرحالة ابن بطوطة سنة 1352م وكتب عنها في رحلته قائلا “إنها تبدو عليها مظاهر الشيخوخة والقدم” وقد وصف أهلها بأنهم : “محافظون على الصلوات وعلم الفقه وحفظ القرآن”.
  • حاضرة وادان وهي مدينة تقع على هضبة آدرار في شمال البلاد. وقد تم تأسيسها سنة 1142 من طرف ثلاثة علماء قادمين من آغمات بجنوب المغرب وهم الحاج عثمان الأنصاري والحاج يعقوب القرشي والحاج علي الصنهاجي والتحق بهم في فترة لاحقة الحاج عبد الرحمن الصائم المخزومي.

وكلهم من تلاميذ القاضي عياض السبتي. وقد تعرض لذكر المدينة الرحالة الاندلسي حسن الوزان والرحالة الاسباني مارمول في القرن السادس عشر.

  • حاضرة تيشيت : وتقع بمنطقة تكانت شرقي البلاد وهي توأمة مدينة وادان ومعاصرتها إذ قام بتأسيسها الشريف عبد المومن الذي قدم برفقة مؤسسي وادان سنة 1142 وكان هو الآخر من تلاميذ القاضي عياض.
  • حاضرة شنقيط : وتقع على هضبة آدرار على بعد حوالي 120 كلم من مدينة وادان وتأسست شنقيط القديمة سنة 776 ثم اندثرت وقامت على انقاضها شنقيط الثانية سنة 1262.وقد ورد ذكر شنقيط موثقا لأول مرة في كتاب “تاريخ السودان” للسعدي. وقد أطلق اعتبارا من القرن الثامن عشر اسم هذه المدينة على المجال الجغرافي الذي كان يضم زيادة على موريتانيا الحالية جنوب المغرب والجنوب الغربي للجزائر وشمال مالي.

وهذه الحواضر وإن كانت مراكز مرموقة لتدريس أصول الفقه وعلوم اللغة العربية فإن تأثيرها على محيطها كان في البداية محدودا إذ أن السكان لم يكونوا قد تعربوا بعد.إلا أنه ابتداء من القرن السادس عشر بدأت وتيرة توافد القبائل العربية إلى بلاد شنقيط تزداد بانتظام. ولم يكد القرن السابع عشر يشرف على الانتهاء حتى كانت قبائل بني معقل العربية قد وطدت وجودها في كل أنحاء البلاد. وهذا التواجد العربي إن كان قد تسبب في توترات ومصادمات بين العرب وصنهاجة، فإنه قد أفضى مع مرور الأيام إلى تشابك اجتماعي وتمازج عرقي ترتب عنهما تعرب مضطرد للمجتمع الموريتاني مما سيهيئ الظروف لانتشار الثقافة العربية على نطاق واسع ليس على مستوى الحواضر وحسب بل وعلى مستوى البوادي والأرياف أيضا.

3- الأوضاع في بلاد شنقيط ما بين القرنين 17 و 19 :

لقد عرفت بلاد شنقيط خلال الفترة الواقعة بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر تحولا اقتصاديا وتغيرا سياسيا ونهضة علمية أدت مجتمعة إلى حدوث قفزة نوعية في صيرورة المجتمع الشنقيطي.

أ. التحول الاقتصادي :

اعتبارا من القرن 17 بدأت التجارة الصحراوية التي تعتمد على حركة القوافل تتراجع نتيجة لتنامي التجارة الأطلسية وتزايد أعداد السفن الأوروبية التي كانت تجوب الشواطئ الأفريقية، فتحول ثقل النشاط التجاري من المناطق الشمالية الشرقية للبلاد إلى المنطقة الجنوبية الغربية المحاذية للمحيط الأطلسي والمتاخمة لنهر السنغال، حيث ازدهرت تجارة الصمغ العربي الذي كانت تشرف قبائل شنقيطية على مقايضته بالبضائع الأوروبية.

ونتيجة لتنامي التجارة الأطلسية على حساب تجارة القوافل الصحراوية، وتبعا لظروف مناخية ومعاشية قاسية تمثلت في فترات جفاف متوالية نجم عنها قحط ومجاعات شديدة، بدأ العديد من سكان المدن القديمة بما فيهم رجال العلم يهاجرون إلى المناطق الجنوبية الشرقية والجنوبية الغربية للبلاد فانتشرت تدريجيا الدراسات الإسلامية وعلوم اللغة في البوادي والأرياف ولم تعد محصورة في المراكز الحضرية كما كان عليه الشأن قبل ذلك. وهكذا ظهر إلى جانب المدارس التي كانت تحتضنها المساجد في الحواضر مدارس بل جامعات متنقلة عرفت باسم “المحاضر”، ما لبثت أن انتشرت في عموم بلاد شنقيط.

 

ب- الازدهار الثقافي :

لقد انطلقت الحركة العلمية من الحواضر القديمة ابتداء من القرن السابع عشر واستمرت في انتشار متصاعد طوال القرن الثامن عشر لتبلغ أوجها خلال القرن التاسع عشر.

وكانت المعارف المتداولة آنئذ في مختلف المحاضر هي علوم القرآن والحديث والفقه واللغة العربية بالإضافة إلى ما كان يسمى بالعلوم الكمالية كالمنطق والتاريخ والطب والفلك والرياضيات إضافة إلى العلوم الباطنية كسر الحرف والتصوف. وكان العلماء الشناقطة ذوي نزعة موسوعية فهم في ذات الوقت فقهاء ولغويون وأدباء وصوفيون. وقد نزعت “محاضر” بلاد شنقيط إلى درجة ملحوظة من التخصص بحيث كانت محاضر شرقي البلاد أكثر تعمقا في الدرسات القرآنية في حين كانت محاضر شمالي البلاد أكثر اهتماما بالعلوم الفقهية بينما كانت محاضر الناحية الجنوبية الغربية أكثر عناية بعلوم اللغة وبالشعر والأدب.

ولا نجانف الصواب إذا نحن قلنا أنه في الفترة التي كانت العلوم والمعارف تجتاز فترة بيات تام في مختلف بلدان العالم العربي كانت بلاد شنقيط تعرف ازدهارا فكريا ونهضة علمية وأدبية معتبرة. فمن يطلع على كتاب “الوسيط في تراجم أدباء شنقيط”، لأحمد بن الأمين الشنقيطي المتوفى سنة 1913، يندهش لكثرة الشعراء وللمستوى الرفيع لأشعارهم من حيث الجودة والإتقان ومن حيث صفاء اللغة وجزالة الألفاظ وبراعة الصور وطرافة المعاني في الوقت الذي أتصف فيه الإنتاج الأدبي نثرا وشعرا في بقية العالم العربي بالضحالة والحذلقة والزخرف اللفظي الأجوف.

فكان إنتاج الشعراء الشناقطة في مستوى الشعر الجاهلي والأموي والعباسي والأندلسي. وبذلك يكون هذا الإنتاج في المستوى الذي حاول شعراء الانبعاث في الشرق من أمثال البارودي وشوقي وحافظ إبراهيم أن يرقوا بالإنتاج العربي إليه بعد الانحطاط الشديد الذي عرفه على مدى عدة قرون نظرا لمجموعة من العوامل لا يتسع المجال لذكرها هنا. وفي هذا الصدد كتب الدكتور طه الحاجري في مجلة العربي الكويتية عدد فبراير 1968 مقالا عن شعراء شنقيط قال فيه إنهم “حلقة مفقودة في تاريخ الأدب العربي” وأضاف أن دراسة الشعر الموريتاني يمكن أن تغير التصنيف الحالي لعصور الأدب العربي.

4- الإشعاع الفكري للشناقطة ضمن الفضاء الإفريقي :

لقد وقع الاحتكاك بين سكان بلاد شنقيط وسكان البلدان السودانية المتاخمة لهم قبل مجيء الإسلام. إذ أن قبيلة مسوفة الصنهاجية قامت كما أسلفنا بتأسيس مدينة أوداغوست بجوار مملكة غانا. كما أن بشائر الدعوة الإسلامية قد وصلت إلى منطقة فوتا تورو في حوض نهرا لسنغال قبل حركة المرابطين وازدادت اتساعا وعمقا بعد قيام هذه الحركة.

أ-تأثير حركة المرابطين :

لقد عملت حركة المرابطين على نشر الدين الإسلامي وبث تعاليمه وترسيخ لغته في المماليك السودانية الواقعة على حدود بلاد شنقيط حيث قامت بفتح مدينة أوداغوست ومدينة كونبي صالح كما قلنا. وتغلغلت في منطقة حوض نهر السنغال مما أدى إلى دخول بعض أمراء المنطقة في الإسلام مثل أمير مملكة تكرور وار جابي(ت1040) وابنه الأمير لبي الذي أبرم حلفا مع الأمير المرابطي يحيى ابن عمر سنة 1057م وخاض معه العديد من حروبه الجهادية.

 

ب. تأثير الهجرات الشنقيطية صوب المناطق السودانية :

خلال القرن الخامس عشر خرجت من مدينة وادان أسرة اشتهرت بالعلم والمعرفة تدعى “أسرة الأوقيتيين” وتوجهت إلى المنطقة السودانية الشرقية ثم استقرت بمدينة تينبوكتو الواقعة بجمهورية مالي الحالية. فتفرع عنها علماء وفقهاء وقضاة وأئمة كانت لهم الريادة الفكرية والنفوذ الروحي في المدنية لردح طويل من الزمن. كما كان لهم تأثير سياسي كبير على أمراء مملكة الصونغاي قبل أفول نجمها. وفي سنة 1468م قام ملك الصونغاي سني علي ذو العقيده الوثنية والنزعة العنصرية بالتنكيل بعلماء هذه الأسرة ومطاردتهم مما اضطرهم إلى الفرار من المدينة متوجهين إلى كل من وادان وولاتة طلبا للنجاة والأمان.

فاسهموا في دفع الحركة العلمية في هاتين الحاضرتين بشكل ملحوظ. وفي أواسط القرن السادس عشر خرجت من مدينة وادان أيضا إحدى القبائل الصنهاجية تدعى “تفرالا” بعد هزيمتها في حرب أهلية محلية فتوجهت إلى منطقة النهر حيث استقرت في المنطقة. وبعد ذلك بزمن قصير خرج من نفس المدينة بطن من بطون قبيلة إدو الحاج يدعى “أولاد الحاج” متوجها هو الآخر إلى المنطقة الجنوبية الغربية المتاخمة لنهر السنغال. وتغلغلت هذه المجموعة الشنقيطية في السنغال وكان لها تأثير فكري وروحي وسياسي على الممالك السودانية المتواجدة على ضفتي النهر بل انصهر بعض هؤلاء المهاجرين في النسيج الاجتماعي السنغالي دون أن ينسوا أصولهم الشنقيطية. وهم يعرفون اليوم بـ “صوغوفارا”. وهناك العديد من القبائل الشنقيطية من أصول عربية وصنهاجية قد استقرت بمنطقة حوض النهر وامتزجت من خلال المساكنة والمصاهرة بالسكان المحليين.

ج. تأثير حركة الإصلاح الدينية للإمام ناصر الدين :

لقد وطدت القبائل العربية وجودها ونفوذها في بلاد شنقيط خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر حيث أقامت لها إمارات في الجنوب الغربي للبلاد وفي شمالها. وقد تميزت تلك الفترة باحتدام الصراع بين الممالك السودانية المسلمة والممالك الوثنية من جهة وبين العرب الوافدين وقبائل صنهاجة الاصلية من جهة آخرى. كما أتسمت بالتوتر الناجم عن التواجد الفرنسي في المنطقة وعن تصاعد أطماعه الاستيطانية إضافة إلى مطامحه الاقتصادية المتمثلة في منافسة البلدان الأوروبية الأخرى في تجارة الصمغ والرقيق.

في هذا السياق المتسم بالتنافس الاقتصادي والصراع السياسي والتوتر الاجتماعي والازدهار العلمي، برزت نزعة سلفية تقوم على الصوفية والباطنية، كان من أشهر روادها الداعية الشنقيطي أوبك ابن أبهم الشمشوي (ت 1674) الذي ادعى علم الباطنية وتلقب بعدة ألقاب أشهرها “الإمام ناصر الدين”. وقد شاعت عنه الكرامات والخوارق. فاتبعه العديد من الناس وبياعوه إماما لهم. ونظرا لوفرة متبعيه من شناقطة وزنوج، فقد أعلن الجهاد ضد خصومه من عرب ومماليك وثنية فتحولت بذلك دعوته الدينية إلى حركة سياسية شعبية شملت مناطق شمامة وفوتا تورو وجولوف ووالو. وكانت هذه الحركة تحض على التمرد على السلطات الوثنية وتدعو إلى إلغاء الرق ورفع الظلم ونبذ الاستغلال. وكانت تلكم الحركة تتأسى بتعاليم الإسلام السلفي وترمي إلى إقامة خلافة إسلامية قوامها الكتاب والسنة والمذهب المالكي.

فقامت نتيجة لذلك حرب ضروس بين الإمام ناصر الدين وأنصاره من قبائل الزوايا ذات الأصول الصنهاجية والمجموعات الزنجية المنضوية تحت لواء أمراء مسلمين وبين قبائل بني حسان العربية تؤازرها مجموعات زنجية وثنية مدعومة من طرف التجار الفرنسيين المقيمين بمدينة سانت لويس. وقد عرفت هذه الحرب عند الموريتانيين باسم “شربب”. وقد أسفرت عن مقتل الإمام ناصر الدين سنة 1674 بموضع يدعى ترتلاس. وكان لموته وهزيمة أتباعه من قبائل الزوايا تداعيات هامة منها إعادة تشكلة الهرم الاجتماعي للمجتمع الشنقيطي وتكريس التراتبية التي يقوم عليها ذلك الهرم لدى المجتمع البيضاني والمجتمعات الزنجنية المساكنة له.

والجدير بالتنويه أن حركة الإمام ناصر الدين لم تسقط إلا بعد أن زرعت الرغبة في التحرر والإعتاق وقوت الوعي الديني ورسخت روح الجهاد في الأوساط الشعبية السودانية. وقد ذكر الباحث الأمريكي Philip Curtin في دراسة حول الجهاد في غرب إفريقيا « Jihad in west Africa » أن الارتباط كان جد وثيق بين قيام الحركة الجهادية في غرب إفريقيا في القرنين 17 و 18 ومدى تأثر الحركات السودانية اللاحقة بحركة ناصر الدين السالفة. فالثورة الدينية التي قامت في إمارة بوندو على الحدود السينغالية المالية سنة 1690 والتي قادها الأمير مالك سي الذي لقب نفسه بالإمام إنما كانت امتدادا لحركة الإمام ناصر الدين.

وشهد القرن الثامن عشر حركة إصلاحية إسلامية في منطقة فوتا جالوه بغينيا الحالية قادها الإمام الفلاني ابراهيم بن نوح الملقب “كارواموكو ألفا”، الذي أسس هو الآخر سنة 1726 مملكة الفلان المسلمة بتلك المنطقة. وفي منطقة الفوتا تورو شهدت سنة 1776 قيام حركة تورودو المسلمة بقيادة الأمير سليمان بال التي أفضت إلى إنشاء مملكة مسلمة في المنطقة.

ولم تنقطع هذه الحركات منذ أن فجرها الإمام ناصر الدين إلى غاية القرن التاسع عشر حيث قامت حركة الحاج عمر بن سعيد الفوتي ضد الفرنسيين. وكذا حركة عثمان دان فوديو التي انطلقت في نفس الفترة من على ضفة النهر اليمنى لتقيم إمارة مسلمة بشمال نايجيريا الحالية. إضافة إلى حركة الزعيم الديني ساموري توره وغيرها.

وهكذا نلاحظ أنه بتأثير من حركة ناصر الدين، قامت دول وممالك إسلامية في مناطق عديدة من السودان الغربي بقيت على صلة وطيدة طيلة عدة قرون بالعرب في موريتانيا وعن طريقهم مع علماء وقادة الفكر العربي الإسلامي في مدارس فاس وتلمسان وزاويات الإسلام الصوفي في جنوب المغرب.

ومن تجليات الإشعاع الفكري والروحي للشناقطة على منطقة الساحل السوداني هو إدخال ونشر الطرق الصوفية إلى ذلكم الربوع حيث تم انتشار الطريقة القادرية على يد الشيخ سيدي المختار الكنتي وأبنائه وتلميذه الشيخ سيديا وعلى يد الشيخ محمد فاضل بن مامين وابنائه. فانتشرت على نطاق واسع في السنغال ومالي ونايجيريا والكامرون. وانتشرت الطريقة التيجانية على يد الشيخ محمد الحافظ بن المختار بن الحبيب ثم على يد الشيخ حماه الله بن سيدنا عمر وعلى يد الشيخ المجاهد عمر بن سعيد الفوتي (المتوفي سنة 1864) كما أسهمت في نشرها أسر الحاج عبد الله والشيخ إبراهيم نياص والحاج مالك سي. ويعد اليوم أتباع ومريدو هذه الطرق الصوفية بالملايين من الناس.

و لإدراك مدى إشعاع الشناقطة الفكري وتأثيرهم الروحي على العديد من البلدان السودانية المتاخمة لبلادهم فإنه يجدر أن نشير هنا إلى مقولات وشهادات قد أدلى بها كتاب ومؤرخون اوروبيون. قد أوردها الأستاذ الخليل النحوي في كتابه “بلاد شنقيط المنارة والرباط”. حيث يعزي الأستاذ النحوي إلى الرحالة الفرنسي Perelabat في مشاهدات رحلته في الفترة ما بين 1670 و1690 قوله “بأن المرابطين أي العلماء البيضان هم الذين نقلوا المحمدية(أي الإسلام) إلى الزنوج ولهذا كان لهم نفوذ قوي على هذه الشعوب التي تنظر إليهم كأساتذة مرشدين في كل ما يتصل بالدين وتستشيرهم في غالب شؤونها”.ويمضي الأستاذ النحوي قائلا بأن المؤرخ الفرنسيGilbert Vieillard قد ذكر سلسلة الدعاة الأفارقة الذين تخرجوا من محاضر الحوض شرقي بلاد شنقيط و انتشروا يدعون إلى الإسلام في فوتا تورو و بوندو و لابي في منطقة غرب إفريقيا. ويضيف الأستاذ الخليل النحوي أن المؤرخ الفرنسي المعاصر بول مارتي يعتقد أن جميع التحولات التي حدثت في السنغال خلال القرن الثامن عشر مثل ثورة الإمام عبد القادر سنة 1775 وقيام دولة الأئمة الإسلامية في فوتا على أنقاض دولة السيراتيك الوثنية… كل هذه التحولات الدينية والسياسية هي ثمرة عمل بعثات الدعاة التي كان العلماء الشناقطة يرسلونها إلى المنطقة”. ويجمع العديد من المؤرخين أن الفضل يعود إلى العلماء الشناقطة في تغلغل الثقافة الإسلامية في إفريقيا الغربية وجعل اللغة العربية هي لغة التخاطب في المراسلات الرسمية للدول الإفريقية الإسلامية. ولعل هذه الاعتبارات هي التي دفعت بعض مثقفي ما كان يعرف بإفريقيا الغربية الفرنسية (AOF) في الخمسينيات من القرن المنصرم إلى رفع عريضة إلى السلطات الفرنسية قدمها باسمهم ليوبولد سيدار سنغور(الرئيس السنغالي الأسبق) للمطالبة بتعليم اللغة العربية في داكار وتوفير منح للطلاب الأفارقة الراغبين في الدراسة في الجامعات والمعاهد العربية. وعلل هؤلاء المثقفون طلبهم ذلك بأن اللغة العربية عامل وحدة في إفريقيا الغربية.

ويتضح جليا من كل ما تقدم ذكره مدى الإشعاع الفكري والنفوذ الديني والانسجام السيكولوجي التي أحرزها الشناقطة في فضاء إفريقيا الغربية المتاخم لبلادهم.

 

5- الإشعاع الفكري لبلاد شنقيط ضمن الفضاء العربي :

تلقت بلاد شنقيط تعاليم الدين الإسلامي وما واكبها من علوم اللغة العربية عن طريق التجار العرب وبواسطة الفاتحين الأوائل ابتداء من أواسط القرن السابع، فتقبل الشناقطة هذه المعارف الجديدة قبولا حسنا وقاموا ببلورتها والتوسع فيها. ثم عملوا في فترة لاحقة على بثها وتدريسها في منطقة إفريقيا السوداء جنوبا ومنطقتي المغرب والمشرق العربيين.

  • مرحلة التلقي والاستيعاب:

لقد سهلت الآبار التي حفرها حبيب ابن أبي عبيدة ابن عقبة ابن نافع وهو في طريقه لفتح بلاد شنقيط سنة 734م عبور القوافل التجارية بين الشمال الإفريقي ومناطق الساحل السودانية. فوصل عن طريق هذه القوافل العديد من التجار والدعاة العرب إلى مدن صنهاجة حيث حطوا الرحال واقبلوا على الدعوة والتدريس وفي سنة 1033م عاد الأمير الصنهاجي يحي ابن إبراهيم الكدالي من حجته وبصحبته الفقيه عبد الله ابن ياسين الجزولي الذي قام بتأسيس رباطه المشهور سنة 1039م والذي شكل البوتقة التي تكونت فيها حركة المرابطين وانطلقت منها الحروب الجهادية صوب الممالك السودانية في الجنوب وباتجاه المغرب في الشمال.

وبعد حملاته الجهادية في المغرب الأقصى عاد الأمير ابوبكر بن عمر اللمتوني إلى بلاد شنقيط بعد مقتل عبد الله بن ياسين سنة 1059 وقد اصطحب معه لفيفا من العلماء والفقهاء كان من بينهم الإمام الحضرمي وإبراهيم الأموي وعبد الرحمن ابن آبي بكر الركاز وغيرهم. وقد اضطلع هؤلاء العلماء بمهام القضاء والتدريس والإفتاء والإرشاد فشكلوا اللبنة الأولى للحركة العلمية بالبلاد واستمرت هذه الحركة في الاتساع إلى أن بلغت الشأو الذي أومأنا إليه آنفا.

وقد دامت عملية انسياب المعارف من المغرب والمشرق العربيين نحو بلاد شنقيط من القرن الحادي عشر إلى غاية القرن الخامس عشر وذلك إما عن طريق توافد رجالات العلم أمثال مؤسسي وادان وتيشيت أو عن طريق المراسلات التي تمثل رسالة محمد بن محمد بن علي اللمتوني إلى جلال الدين السيوطي سنة (1492) نموذجا معبرا عنها.

 

 

ب. مرحلة العطاء والتأثير:

لم تشكل الصحراء المقفرة الفاصلة بين بلاد شنقيط ومنطقتي المغرب والمشرق العربيين حاجزا في وجه التواصل الاجتماعي والتبادل الاقتصادي والثقافي بل شكلت جسرا سهل هذه التبادلات.

– التواصل الثقافي مع المغرب العربي :

إن عملية التواصل الثقافي بين بلاد شنقيط ومنطقة المغرب العربي كانت عملية مضطردة منذ تأسيس مدينة القيروان. ولا يتسع المقام هنا لذكر مراحلها على نحو مفصل إنما سنكتفي بالإشارة إلى بعض الأحداث المتميزة وذكر بعض الأعلام المرموقة التي هي بمثابة معالم بارزة قد تكون أجدر بالتنويه من غيرها.

وبهذا الصدد يمكن التنويه بما قام به العلماء المنحدرون من أسرة الأوقيتين من نشاط فكري في المغرب عندما تم تهجيرهم سنة 1593م من مدينة تينبوكتو إلى مراكش من طرف الملك السعدي أحمد المنصور الذهبي إذ عمل هؤلاء العلماء على تدريس العلوم الدينية واللغوية حيث أن الفقيه والمؤرخ الشهير أحمد بابا التينبكتي صاحب كتاب “نيل الابتهاج” (المتوفي سنة 1626) جلس للتدريس طوال ما يربو على خمس سنوات في زاوية كانت تدعى بجامع الشرفاء بمراكش. وقد ترك هذا العالم الشنقيطي بصماته على الساحة الفكرية المغربية قبل أن يعود وأفراد أسرته إلى بلاده.

وفي سنة 1678 زار الملك المغربي مولاي إسماعيل بلاد شنقيط حيث تزوج بالأميرة خناثه بنت بكار أمير منطقة البراكنة الشنقيطية. واصطحبها معه إلى المغرب. وقد ذكر المؤرخ أحمد بن خالد الناصري في كتابه “الاستقصاء في تاريخ المغرب الأقصى” أن هذه الأميرة كانت عالمة وفقيهة وذكر أن لها حواشي على هامش نسخة من كتاب “الإصابة” لابن حجر بخطها. وذكر أنه كان لها مناظرات مع بعض علماء المشرق كانت بها محل تقدير العديد من علماء المغرب.

كما أن الشاعر والعالم عبد الله بن محمد المشهور بابن رازكة المتوفي سنة 1649 بمدينة شنقيط كان على صلة وثيقة بالملك مولاي إسماعيل وكانت بينه وبين الأمير محمد العالم علاقات مودة وإعجاب متبادل لأنهما كانا أديبين وشاعرين. وقد كان الأمير محمد العالم يقدر الشاعر عبد الله ابن رازكة ويثمن شعره إلى درجة أنه قال فيه :

لقد أهدت لنا شنقيط سحرا                حلالا فوق سحر الساحرينا

يقصر سحرنا عنه لوأنا          بعثنا في المدائن حاشرينا.

وقد قال الأستاذ عبد الله كنون في كتابه “النبوغ المغربي في الأدب” أن الأمير محمد العالم والشاعر والأديب عبد الله ابن رازكة يعتبران من المؤسسين للنهضة الأدبية في المغرب.

وخلال القرن التاسع عشر تكثفت حركة التواصل الثقافي بين بلاد شنقيط ومختلف البلدان المغاربية وذلك نتيجة لازدياد أعداد العلماء الشناقطة الذين كانوا يعبرون هذه البلدان ذهابا وإيابا في طريقهم إلى البقاع المقدسة.ويقيمون فيها للدرس والتدريس. وهكذا زار العديد من العلماء الموريتانيين المغرب وتونس والجزائر وليبيا حيث تبادلوا المعارف وتثاقفوا مع نظرائهم في هذه البلدان وسوف نشير إلى بعض هؤلاء العلماء على سبيل المثال لا الحصر.

فيمكننا أن نذكر في هذا المضمار العلامة الطالب احمد ولد طوير الجنة الذي زار المغرب في طريقه إلى الحج سنة 1829. وقد نزل ضيفا على الملك مولاي عبد الرحمن الذي أكرم وفادته. وخلال مقامه بالمغرب أتصل الطالب احمد ولد طوير الجنة بالعديد من العلماء المغاربة في مختلف حواضر البلاد فأثر فيهم وتأثر بهم. ثم زار تونس ومكث بها عدة أشهر أتصل خلالها بعلماء البلد وزار معالمه وحواضره وقد وصف ولد طوير الجنة كل البلدان التي زارها وصفا دقيقا في مصنفه “كتاب المنى والمنة”.

وزار في نفس الفترة العالم والفقيه محمد يحي الولاتي صاحب كتاب “الرحلة الحجازية” كلا من المغرب وتونس وأقام فيهما عدة شهور أتصل خلالها بالعديد من أعلامهما وعلمائهما وحضر حلقات للدروس واصدر العديد من الفتاوى الدينية.

وقد تلقى الولاتي خلال إقامته بتونس إجازة في الفقه الحنفي والشافعي. وتوطدت بينه وبين العديد من علماء تونس روابط مودة وصداقة حميمة. ونشير في هذا السياق إلى أن أمؤلفات العالم الموريتاني النابغة الغلاوي الذي لم يزر تونس كانت متداولة في ذلك البلد وخاصة منظومته “بوطليحية”، التي كانت من بين المقررات الرسمية في جامع الزيتونة إلى غاية الخمسينيات من القرن المنصرم.

وقد طبع هذا المؤلف على المطبعة الملكية بفاس سنة 1862 ضمن الأعمال الفقهية التي وقع عليها الاختيار في تلك الفترة للنشر والتدريس. كما وصل إلى تونس إشعاع محضرة العالم الموريتاني يحظيه بن عبد الودود التي تلقت وسام تكريم وشهادة تقدير من المملكة التونسية القائمة إذ ذاك.

ولعل من ابرز العلماء الموريتانيين دورا وأوسعهم نفوذا في منطقة المغرب العربي هو الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل الذي استقر بعد تخرجه من المحاضر الموريتانية في مدينة السمارة بجنوب المغرب حيث أسس زاوية ذات إشعاع علمي وروحي كبيرين.

وكان الشيخ ماء العينين على صلة وثيقة بملوك المغرب : مولاي عبد الرحمن وسيدي محمد ومولاي الحسن الأول ومولاي عبد العزيز الذي كانت تربطه به روابط روحية خاصة. وقد أسس الشيخ ماء العينين زاويات في العديد من المدن المغربية.

ويجدر التنويه في هذا السياق أيضا إلى أن العالم الموريتاني محمد الأمين بن زين القلقمي قد استقر بعد خروجه من موريتانيا سنة 1903 بقرية أوباري قرب مدينة فزان بالقطر الليبي حيث أقام محضرة لتدريس العلوم الدينية والتف حوله الناس بكثافة. ومازال يدرس ويرشد ويفتي هنالك إلى أن تم احتلال ليبيا من طرف الاستعمار الإيطالي فارتحل عنها الرجل واتجه إلى المشرق كما سوف نرى فيما سيأتي.

أما بالقطر الجزائري فقد أقام الفقيه الموريتاني الكبير الشيخ بلعمش الجكني في نفس الفترة محضرة كبيرة ومتعددة التخصصات في مدينة تيندوف جنوبي الجزائر…

وهكذا نرى أن التواصل الفكري والتبادل العلمي بين النخبة المثقفة الموريتانية والسلطات السياسية والدوائر العلمية في منطقة المغرب العربي قد بدءا منذ أواسط القرن السادس عشر واستمرا بدون انقطاع إلى يومنا هذا، وأن العلماء الموريتانيين قد أسهموا بحظ وافر في رفد الحركة العلمية وفي التأسيس للنهضة الفكرية في منطقة المغرب العربي بكاملها.

  • التواجد على الساحة المشرقية :

إن أهم العوامل التي كانت تكمن وراء الأسفار الدورية التي كانت تقوم بها نخب بلاد شنقيط نحو المشرق العربي هي الرغبة في أداء فريضة الحج.

ولفترة طويلة من الزمن، كان الشناقطة يفدون إلى البقاع المقدسة ضمن حجيج المناطق السودانية الذين كانوا يعرفون عند المشارقة بالتكارنة. واعتبارا من أواخر القرن السابع عشر بدأ الحجاج الموريتانيون يعرفون بالشناقطة حيث كان معظمهم ينطلق من مدينة شنقيط ليتجمعوا بمدينة توات بالجزائر الحالية قبل الانطلاق باتجاه الحرمين الشريفين.

وعلى الرغم من بعد الشقة بين مدينة شنقيط والبقاع المقدسة – حوالي 7000 كلم –  فإن الحجيج الشنقيطي كان احيانا يتجاوز 600 حاج وكان الطريق التي يسلكها هي : شنقيطي-توات-مركش-فاس-القيروان-القاهرة-مكة المكرمة. ومع مرور الأيام أصبح الشناقطة يتميزون عن غيرهم بسحناتهم وملابسهم وسلوكهم وفصاحة لغتهم وتضلع العديد منهم في مختلف المعارف. وما لبثوا أن اشتهروا بسعة الاطلاع والتمكن من الفقه والأدب.فراج إسم الشناقطة في الأدبيات المشرقية.

ذلك أن الحجاج الشناقطة لم يكونوا كالعديد من حجاج الأقطار الأخرى عواما قليلي المعارف والمدارك بل كان أغلبهم جهابذة راسخة أقدامهم في علوم الفقه واللغة والأدب وكانت لهم أراء ومقاربات ورؤى نابعة من معارفهم الموسوعية؛ فلا غرابة والحالة هذه أن تقع بينهم وبين علماء المشرق مطارحات ومناظرات ومساجلات حول نوازل فقهية واشكاليات مذهبية ومسائل لغوية وأدبية.

ولعل أسباب وحوافز التفاكر والتنافس الذي قام بين العلماء الموريتانيين ونظرائهم في كل من البقاع المقدسة وأرض الكنانة تكمن في تماهي المذهب ووحدة المرجعية التي يتأسى بها الجميع. فمرجعية القوم هي السنة والجماعة وإمامهم هو الإمام مالك وقارؤهم هو نافع وتصوفهم يتفرع من تقاليد أئمة التربية والسلوك في بغداد كالجنيد وعبد القادر الجيلاني إضافة إلى عنايتهم الخاصة بأشعار البصيري وميلهم إلى المؤلفات المصرية من أمثال مختصر خليل. كما ان معتمدهم في النحو والتصريف هي آراء نحاة البصرة والكوفة ومرجعيتهم الأدبية تتمثل في نماذج من الشعر الجاهلي ومن شعر العصر الأموي والعصرين العباسي والاندلسي.

ولقد كان تأثر العلماء الموريتانيين بالساحتين الحجازية والمصرية وتأثيرهم فيهما اكبر منه في غيرهما من الفضاء العربي الآخر. وربما كانت أول تجليات تأثير العلماء الموريتانيين على الساحة المشرقية تعود إلى العالم المدعو كمال الدين محمدن بن حبيب الله لمجيدري(ت.1789م) الذي مارس التدريس في كل من مصر والحجاز وقد كان له العديد من التلاميذ. والذين كان من بينهم المأمون بن محمد الصوفي الذي خلد ذكر شيخه في قصيدة مطلعها :

سل المدينة و البطحاء أي فتى                   يخبرك من فيهما من عالم وولي.

أما في مصر فقد توطدت علاقة هذا الرجل بالعالم اللغوي المرتضى الزبيدي الذي استعان به على شرح القاموس.

وتجدر الإشارة إلى الدور الرائد الذي قام به العلامة محمد محمود ولد التلاميد التركزي الذي أقام بكل من مصر والحجاز متصلا بالنخبة العالمة، إذ لبث خمسا وعشرين سنة يدرس في الحرمين الشريفين.

وقد أخذ عنه طيلة هذه الفترة عدد كبير من التلاميذ من بينهم إبراهيم الاسكواني المدني وأمين بري كما أخذ عنه أديب الحجاز وشاعرها عبد الجليل برادة الذي امتدح الشيخ بأبيات أكد فيها أنه محمدة العصر ومفخرة شنقيط فقال :

لئن فخرت شنقيط يوما فبالحرى                 وحق لها بابن التلاميذ مفخرا.

وفي مصر توطدت صلة التركزي بعلماء الأزهر فصحب الإمام محمد عبده ومصطفى الرافعي وتوفيق البكري. وتتلمذ عليه العديد من الأعلام المصريين مثل أحمد تيمور.

وقد قال فيه طه حسين في “الأيام” : “كان الطلاب يتحدثون أنهم لم يروا قط ضريبا للشيخ الشنقيطي في حفظ اللغة ورواية الحديث متنا وسندا عن ظهر قلب”. وقال عنه الشيخ محمود رضا بأنه “العلامة المحدث الذي انتهت إليه دارسة علوم اللغة والحديث في هذه الديار” وقال عنه الزيات “كان لاينفك يتحدى رجال اللغة بالمسائل الدقيقة والنوادر الغريبة مستعينا على جهلهم بعلمه وعلى نسيانهم بحفظه حتى هابوا جانبه وكرهوا لقاءه”.

ومن فطاحلة العلم الموريتانيين الذين تركوا بصماتهم على الساحة الفكرية المشرقية نذكر العلامة احمد بن الأمين الشنقيطي صاحب كتاب “الوسيط في تراجم أدباء شنقيط” الذي خرج من موريتانيا سنة 1896 ليصل الحجاز سنة 1898 بعد أن قضى سنة في المغرب متنقلا بين حواضره ومحاورا لعلمائه. وفي الحرمين الشريفين التقى بالعديد من رجالات الفكر والأدب، وكانت له مع بعضهم مناظرات ومساجلات علمية لم تكن تخلو أحيانا من الحدة والتشنج.

وبعد أن أدى فريضة الحج قام أحمد بن الأمين بزيارة المواطن الإسلامية في بعض البلدان القوقازية. وقد مر بتركيا فزار معظم المكتبات والمعاهد العلمية في الأستانة والأناضول ثم عرج على سوريا وأقام بها فترة من الزمن التقى خلالها بعلمائها وزار مكتباتها ثم انتهى به المطاف في القاهرة حيث أقام إلى أن وافاه الأجل المحتوم.

وكان نشاطه العلمي في القاهرة كثيفا وصلته بالعلماء المصريين وطيدة. فقد ربطته صداقة وثيقة بتوفيق البكري ولميلحي، صاحب “حديث عيسى ابن هشام” وأحمد تيمور باشا والسيد أمين الخنجي الذي وفر له كل وسائل الراحة التي مكنته من الانقطاع للبحث والتحقيق والتأليف.

وهكذا ألف مالا يقل عن 14 مصنفا نذكر منها على سبيل المثال :

“الدرر اللوامع” و”الوسيط” و”تحفة المودود” و”تصحيح كتاب الأغاني” و”الدرر في منع عمر” إلخ…

وقد كان أحمد بن الأمين يحظى باحترام وتقدير العلماء المصريين على اختلاف اختصاصاتهم ومشاربهم. فقد قال فيه فؤاد سيد مدير المخطوطات بدار الكتب المصرية “إن الأمين بتأليفه كتاب الوسيط قدم لنا مجموعة مهمة من الشعراء والأدباء الموريتانيين وقد ساعد المؤلف على ذلك حافظته الواعية العجيبة ومعرفته الواسعة بأخبار بلاده وتاريخها”.

ومن الأعلام الشناقطة المرموقين بمنطقة المشرق العربي نذكر الشيخ محمد الأمين (آب بن خطور) العالم الضليع الذي كان من ابرز أساتذة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والذي كان له بالحرم النبوي حلقة لتفسير القرآن. كما قد درس في الرياض بناء على أمر من الملك عبد العزيز آل سعود نفسه. وقد قال عنه تلميذه الشيخ عطيه محمد سالم القاضي بالمحكمة الشرعية بالمدينة المنورة في المقدمة التي وضعها لكتابه “أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن” : “إنه ربى أفواجا متلاحقة تعد بالآلاف من خريجي كليات ومعاهد الإدارة العامة بالرياض والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة”.

ولا يمكن أن نغفل في هذا المضمار ذكر العالم محمد أمين فال الخير الشنقيطي الذي زار الهند والبحرين حيث أقام صلة وثيقة مع المصلح البحريني الشيخ عبد الوهاب الزياني. كما زار الكويت أكثر من مرة حيث كان على صلة بأمير البلاد الشيخ أحمد الجابر الصباح.

وقد احتفل به النادي الأدبي الكويتي اعترافا بمنزلته العلمية ومكانته الفكرية. وقد أقام محمد أمين في قرية “الزبير” قرب البصرة حيث أسس سنة 1920 جمعية النجاة ومدرستها. وقد خلدت العراق ذكر هذا العالم الموريتاني بتخصيصها له أول كتاب  في سلسلة “أعلام البصرة”.

 

ونختم هذه السلسلة الذهبية من أقطاب العلم ورواد الفكر الموريتانيين بذكر الشيخ محمد الأمين بن زيني القلقمي مجددا حيث سبق أن أشرنا إلى نزوحه من موريتانيا سنة 1903 مهاجرا عن الاستعمار الفرنسي ونزوله بمدينة أوباري قرب فزان بأرض ليبيا التي ارتحل عنها عندما احتلها الطاليان. وتوجه إلى الأردن حيث أقام زاوية له قرب مدينة عماري والتفت حوله قبائل شرقي الأردن التي كانت تتوق إلى من يرشدها ويفقهها في أمور دينها. ومن الأردن انتقل الشيخ محمد أمين إلى تركيا حيث قاتل مع الأتراك ضد الانجليز. وبقي بذلك البلد إلى أن توفي سنة 1969.

وهكذا يتضح جليا على ضوء ما تقدم ذكره مدى وأهمية الدور الذي لعبه العلماء الموريتانيون في نشر العلم وبث المعارف والإسهام في رفد النهضة الفكرية في كل من المغرب والمشرق على حد السواء ولعل هذا ماجعل الأستاذ عبد اللطيف الدليشي الخالدي يقول : “إن من الشناقطة علماء قد لا نغالي إذا قلنا عنهم إنهم لا يقلون أهمية عن أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا واضرابهم” ويخلص عبد اللطيف الدليشي إلى القول إنه “آن للأقطار العربية والإسلامية عامة أن تدخل في برامج مدارسها دراسات وافية ضافية عن علماء وشعراء وأدباء شنقيط”.

ولقد وقفنا كذلك في سياق هذا العرض على الدور الرائد الذي لعبه الموريتانيون في نشر الدين الإسلامي وترسيخ اللغة العربية بين ظهران شعوب مناطق غرب إفريقيا. ابتداء من العهد المرابطي ومرورا بحركة الإصلاح الديني للإمام ناصر الدين وانتهاء بنشر الطرق الصوفية على نطاق واسع في أرجاء الفضاء الإفريقي.

كما رأينا وقوفهم في وجه المد الاستعماري الفرنسي ومناوراته الرامية إلى إخضاع القبائل الإفريقية لنفوذه الثقافي والديني.

6- الأوضاع الثقافية الراهنة بموريتانيا وآفاق المستقبل :

أ-السياسات الثقافية الاستعمارية وتداعياتها

إن أول ما قام به الاستعمار الفرنسي عند ما أحكم سيطرته على موريتانيا في أوائل القرن العشرين هو محاصرة الدين الإسلامي وإضعاف الثقافة العربية الملازمة له. وذلك من خلال تهميش العلماء والتقليل من شأن المحاضر وتحجيم نفوذها وإقصاء خريجيها عن الحياة النشطة. وقد بذل الاستعمار قصارى الجهد من أجل فرض لغته وثقافته على الأهالي لكن مسعاه باء بفشل ذريع إذ أن الأهالي رفضوا الثقافة الدخيلة وقاطعوا المدارس التي أنشئت من أجل نشرها وتعميمها.

وكان أن ترتب على هذه الوضعية حرمان السواد الأعظم من الموريتانيين من التعليم لفرانكوفوني العصري والحيلولة دون تطوير وتحديث مؤسسات تعليمهم التقليدي. وأدت هذه الوضعية في نهاية المطاف إلى تناقص عدد المحاضر بالبلاد وتراجع النشاط العلمي التقليدي وتدني المستوى الثقافي والفكري. ومما زاد تفاقم الوضع هو ما قام به الاستعمار بدوافع أمنية من تقليص للتواصل الاجتماعي والثقافي بين موريتانيا والفضاء العربي الذي كانت ترتبط به ارتباطا عضويا.

ب-إصلاحات المنظومة التعليمية ومضاعفاتها

ولما نالت موريتانيا استقلالها في مطلع الستينيات كانت الثقافة العربية والمؤسسات التعليمية الأهلية التي كانت تقوم عليها، قد انكمشت وضعف أداؤها في حين عم انتشار نظام تعليمي حديث ذي مرجعية فرنكوفونية لا تحتل فيه الثقافة العربية إلا حيزا ضيقا. وتلافيا لذلك قامت السلطات الموريتانية ابتداء من أواسط الستينيات بإدخال إصلاحات متتالية على المنظومة التربوية الوطنية بهدف إعادة تأهيل الثقافة العربية الإسلامية وملاء متها مع متطلبات العصرنة والتحديث. واعتبارا من التسعينيات تم وضع استراتيجية وطنية تستهدف محوا لأمية الأبجدية وتعميم عادة القراءة والمطالعة وترقية الكتاب وذلك من خلال إنشاء شبكة للمكتبات ودور الكتاب ومراكز الإنعاش الثقافي عبر التراب الوطني.

وقد بدأت هذه السياسات تؤتي أكلها إذ صارت نسبة التمدرس ترتفع باضطراد في حين اخذت نسبة الأمية تتراجع باستمرار.

ولقد أدت الإصلاحات المتوالية التي عرفتها المنظومة التربوية الوطنية والهادفة أصلا إلى استعادة الهوية الثقافية الموريتانية إلى تراجع تدريس اللغات الأجنبية بالبلاد وإلى تضييق مجال الانفتاح على الثقافات الغربية وما تشمله من علوم وتقنيات وما ترتكز إليه من مناهج وبرامج متطورة. فنجم عن ذلك تدني ملحوظ في مستوى التعليم في البلاد انعكس على درجة التأهيل والكفاءة والتنافسية الأكاديمية. كما أثر سلبا على مستوى البحث العلمي والإنتاج الثقافي والإشعاع الفكري للبلاد.

ورغم هذه الملابسات التي لن تكون إلا ظرفية وعابرة، فإن إرهاصات نهضة فكرية في البلاد بدأت تلوح في الأفق. إذ أن جيلا من المثقفين الموريتانيين داخل البلاد وخارجها بدأ حركة تأليفية متزايدة. ولا ريب أن هذه الحركة ستعرف زخما أكبر وستأخذ كل مداها إذا ما قامت دور للنشر والتوزيع بالبلاد. الشيء الذي مازال حملة الهم الثقافي ينتظرونه بفارغ الصبر.

وهذا التدني في المستوى الثقافي الذي تعرفه الساحة الموريتانية في الوقت الراهن ليس سوى جزءا من الركود الثقافي والجمود الفكري الذي يتسم به العالم العربي اليوم نتيجة لعدة عوامل منها عدم إعطاء الأولوية للشأن الثقافي وانعدام حرية الرأي والتفكير في الفضاء العربي وسيطرة إرادة تدجين واستتباع المثقفين بهذا الفضاء.

 

ج-دور موريتانيا في إرساء النفوذ العربي في إفريقيا الغربية

وختاما يمكننا القول بأنه في هذه الحقبة من تاريخ البشرية التي تتسع فيها مظاهر العولمة الاقتصادية وتطغى إرادة الهيمنة الفكرية ويحتدم فيها الصراع بين الحضارات فإنه أضحى من الضروري للعرب أن يوسعوا من دائرة إشعاعهم ونفوذهم السياسي  وتأثيرهم الحضاري ليؤمنوا لأنفسهم مكانة مرموقة في حظيرة الأمم. ومن بين السبل إلى ذلك هي تقوية إشعاعهم الفكري ومدهم الحضاري على مستوى الثغور ونقاط التماس مع الشعوب والأمم المتاخمة لهم.

ولا مراء أن موريتانيا تشكل اليوم كما كانت تشكل بالأمس إحدى أهم نقاط التماس بين العالم العربي وإفريقيا الغربية ومن ثم فإن تقوية النفوذ العربي في هذا الفضاء يمر حتما بتقوية بوابته الغربية موريتانيا ودعم إمكانياتها وتفعيل وسائلها ورفع جاهزيتها حتى تكون قادرة على تمهيد الطريق أمام اتساع المد العربي في هذا الجزء من العالم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر

 

1-بلاد شنقيط المنارة و الرباط

الأستاذ الخليل النحوي

2-السياسة الإستعمارية الفرنسية في موريتانيا و أثرها على الأوضاع الإقتصادية و الإجتمعية

الأستاذ محمد الراظي ولد صدفي

3-حرب شر بب أو أزمة القرن السابع عشر في الجنوب الغربي لموريتانيا

د.محمد المختار ولد السعد

4-الأساليب في الشعر الشنقيطي خلال القرن13 الهجري

د. أحمدو ولد الحسن

5-الشعر و الشعراء في لاموريتانيا

د. محمد المختار ولد أباه

6-ديوان سيدي عبد الله ولد محمالعلوي الشنقيطي إبن رازكة

شرح وتحقيق محمدسعيد بن الدهاه

7-الشيخ محمد محمود الشنقيطي التركزي-حياته وأدبه

أ.محمد أحيد محمد

8-الإسلام و المجتمع في إفريقيا الغربية خلال القرنين 17و18م

د.عبد الودود ولد عبدالله (حوليات كلية الآداب و العلوم الإنسانية العدد الثاني 1990

9-أعلام شنقيط: حضور أحمد بن الأمين الشنقيطي في الحركة اللغوية و الأدبية الشنقيطية

د.يحيى ولد أحمدمعلوم (مجلة الموكب الثقافي عدد 19-20 سنة 1999)

10-الرحلات الشنقيطية رباط للثقافة والوصال قراءة في الوصل الثقافي بين المشرق العربي و موريتانيا

أ.محمد بن أحمد بن المحبوب ( الموكب الثقافي عدد32-33 سنة 2003)

11-مظاهر الصلات العربية الإفريقية من خلال ركاب الحاج و الأوقاف في الفترة الحديثة

د. حماه الله ولد السالم (مجلة مصادر الكراس الرابع سنة 2004)

12-شنقيط وإسهامها في الإشعاع الوحي و الثقافي غي المناطق المحيطة بها

أ.سيد أحمد ولد الدي ( مجلة التعليم صص 103-118)

13- الوصل الثقافي بين بلاد شنقيط والقيروان-قراءة في التواصل بين المنطقتين خلال القرنين الثالث و الرابع عشر الهجريين

أ. أحمد بن محمد بن المحبوب ( جريدة الشعب عدد 8142 بتاريخ 5/4/05.

14-وادان نبذة عن تأسيسها و مؤسسيهاومختلف هجراتهم منها

أ. محمد الأمين ولد الكتاب

15-فعاليات الملتقى الدولي الأول حول التراث الثقافي الموريتاني-نواكشوط أيام29-30 نونير 1999.

16-أزمة التعليم العالي في العالم العربي

د.طه طارق السويدان المدير العام لأكادمية الإبداع الأمركية

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى