لمحة عن مراحل التحول الديمقراطي بموريتانيا و التعثرات التي اعتورته

بعد استقلالها السياسي عن الاستعمار الفرنسي في بداية الستينيات، اعتمدت موريتانيا حكما سياسيا يقوم على نظام الحزب الواحد، حيث انتظمت كل الأحزاب السياسية التي كانت موجودة قبل الاستقلال في إطار حزب واحد هو حزب الشعب الموريتاني. وقد دام  هذا الحكم ثمان عشر سنة قبل أن يطيح به انقلاب عسكري في العاشر من يوليو 1978 في ظل ظروف مأزومة  تولدت عن خوض موريتانيا  حرب الصحراء الغربية  دون أن تكون مهيأة لهكذا حرب.

وتوالت بعد ذلك عدة انقلابات عسكرية تميزت ثلاثة منها  على وجه الخصوص بإعداد الأرضية و المناخ الملائمين لتحول ديمقراطي تدريجي. حيث أن الانقلاب الذي قاده ولد الطائع في 12 دجنبر 1984، اضطر تحت ضغوط محلية و دولية  أن يبدأ عملية تحول  ديمقراطي تم انجازها على مراحل متتالية. تمثلت هذه العملية  في تعديلات دستورية  تكرس التعددية  الحزبية  و تضمن الحريات الأساسية و فصل السلط و إقامة مؤسسات ديمقراطية. ثم صير إلى تنظيم أول انتخابات بلدية و برلمانية و رئاسية  تعددية  تمتاز مقدر ملحوظ من الشفافية و االصدقية . و بعد ثلاث مأموريات متتالية  حامت الشكوك حول نزاهة الانتخابات التي أفضت إلى بعضها، بدا العقيد ولد الطائع يستمرء السلطة ويظهر تشبثا قويا بها . ثم بدا ينزع إلى الاستبداد و التسلط  . فأقدم على ارتكاب خروقات جسيمة  لحقوق الإنسان. و نتيجة لذلك أطاح انقلاب عسكري  آخر بنظام ولد الطائع في 3 من شهر أغسطس 2005، قام به  العقيد علي ولد محمد فال مدير الأمن الأسبق على مدى عشرين سنة.

تعهد الانقلابيون  الجدد بإعادة السلطة إلى المدنيين بعد فترة انتقالية لا تعدو 24 شهرا. تم تقليصها فيما بعد إلى 18 شهرا. و عند انقضاء الفترة الانتقالية التي تم خلالها تعديل دستوري يحصر مدة  انتداب الرئيس  في 5 سنوات  قابلة للتجديد مرتين. و أضيفت مادة جديدة للدستور تمنع تغيير هذه الحيثية. و في 11 مارس 2007 تم تنظيم انتخابات  رئاسية تعددية ، شارك فيها عدة  مرشحين . وقد فاز في هذه الانتخابات السيد سيدي ولد الشيخ عبد الله، الذي أتى به العسكر من خارج المشهد السياسي. وقد أشرف على جريان عمليات الاقتراع  العديد من المراقبين الدوليين الذين أجمعوا على نزاهة و شفافية  العمليات الانتخابية  و على صدقية  النتائج المترتبة عنها. و بعد 15 شهرا اتضح للجميع قصور الرئيس المنتخب ديمقراطيا و عدم كفاءته و ضعف أدائه و اعتماده في تدبير شؤون البلاد على بطانة سيئة و فاسدة. كما أنه تسبب بفعل سياساته الغير موفقة  في خلق مواقف  مناوئة له داخل البرلمان و مختلف الفاعلين السياسيين و الجمعويين. ثم انجلى الغبار عن تناقضات عميقة بينه و بين الجنرالات الذين أتوا به إلى السلطة رغم كونه شخصا مغمورا لا يمثل شيئا يذكر على الساحة الوطنية.

ونتيجة لهذا السياق المأزوم، عرفت البلاد احتقانا سياسيا و غليانا اجتماعيا و تفاقمت الأوضاع الاقتصادية و الأمنية، ما قاد إلى تعطيل عمل المؤسسات السياسية في البلاد. و تبعا لهذه الوضعية الكارثية، قام العسكر مجددا بالإطاحة بحكم سيدي ولد الشيخ عبد الله في 6 أغسطس 2008. و بعد غليان كبير و تقاطب حاد  عرفته القوى السياسية  الموريتانية  بمختلف أطيافها نتيجة للتصادم بين المؤيدين للانقلاب الذي قاده  الجنرال محمد ولد عبد العزيز ضد نظام سيدي ولد الشيخ عبد الله و المناوئين له. و على إثر تدخل المجتمع الدولي الممثل في الإتحاد الأوروبي  و الإتحاد الأفريقي و الجامعة العربية و غيرهم، تم إبرام  اتفاق دكار  القاضي باستقالة  الجنرال ولد عبد العزيز و إبعاده عن سدة الحكم و إنشاء لجنة وطنية للإشراف على تنظيم الانتخابات برئاسة شخص من المعارضة على أن يترشح محمد ولد عبد العزيز ضمن عدة مرشحين يتنافسون على تسنم الرئاسة.

وفي 18 يوليو 2009 أجريت انتخابات رئاسية تعددية شاركت فيها عدة أحزاب سياسية موريتانية.و قد تنافس خلالها تسعة مرشحين منهم مستقلون و منهم ممثلون عن الأحزاب السياسية المتواجدة على الساحة. جرت الانتخابات تحت إشراف مراقبين دوليين ذوي خبرة و مصداقية متفق عليها من بينهم على وجه الخصوص  الإتحاد الأوروبي ، الاتحاد الإفريقي ، الجامعة العربية ، المنظمة العربية للديمقراطية، الجمعية اللبنانية لديمقراطية الانتخابات   LADE و بعض أعضاء  المنظمة العربية لديمقراطية الانتخابات. وقد أجمع اغلب المراقبين على صدقية  نتائج الانتخابات التي فاز فيها محمد ولد عبد العزيز بنسبة 58،52% من أصوات الناخبين.

اعترفت أحزاب المعارضة بنتائج الاقتراع في أول الأمر لكن ما لبث أن طعنت فيها وقالت إن بعض بنود اتفاق دكار لم يتم احترامها من طرف نظام ولد عبد العزيز. و نشب إثر ذلك أزمة سياسية و اجتماعية و مؤسسية أفضت إلى احتقان شديد و أزمة ثقة عميقة بين النظام و بعض أعضاء المعارضة الراديكالية.و تمت محاولات متكررة لتنظيم حوار بين المعارضة المقاطعة و أحزاب الأغلبية الملتفة حول نظام ولد عبد العزيز. و تم التوصل إلى إقامة حوار بين  أحزاب المعارضة المهادنة  و النظام و أغلبيته تمخضت عن عدة تغييرات و إصلاحات  مؤسسية و دستورية لعل من أهمها الرضوخ إلى مطلب المعارضة  المتشددة بتأجيل  الانتخابات البرلمانية و إنشاء هيأة مستقلة للانتخابات  و إقامة مرصد لمراقبة العمليات الانتخابية.

إلا أن ذلك لم  يقنع المعارضة المقاطعة  للمشاركة في اللعبة السياسية ، ولذلك عمدت إلى مقاطعة الانتخابات البلدية و البرلمانية التي تم تنظيمها في 21 دجنبر 2013 و كذا  الانتخابات الرئاسية  التي تم أجراؤها 21 يونيو 2014.

وقد ساهمت الشبكة الموريتانية لمراقبة الانتخابات ) الرقيب (   ضمن مؤسسات دولية مختصة أخرى في مراقبة العمليتين الانتخابيتين بعد أن أشعرت المنظمة العربية لديمقراطية الانتخابات التي تنتمي إليها. و لم يسجل المراقبون  خروقات  ترقى إلى مستوى إبطال صدقية العمليات الانتخابية برمتها. و سعيا إلى التوصل إلى تخطي  الاحتقان  و الانسداد القائمين  حاليا بالبلاد، قام نادي المثقفين الموريتانيين للديمقراطية و التنمية الذي أرأسه شخصيا  مع هيات جمعوية وطنية أخرى، في 15 من شهر اكتوبر) تشرين ثاني( 2015، بإطلاق مبادرة  تدعى : “المسعى المدني المستقل  من أجل الحوار الشامل” للتوسط  بين النظام و أغلبيته من جهة و أحزاب المعارضة المقاطعة من جهة أخرى  وذلك بغية  العمل على تقارب وجهات نظر الفسطاطين  و بناء الثقة بينهما وصولا إلى تخطي  الانسداد القائم  و الأزمة السياسية السائدة حاليا في البلاد.

هذه بإيجاز هي الأوضاع السياسية و الاجتماعية و المؤسسية التي تميز المشهد الموريتاني في الوقت الراهن.

نواكشوط 15 اكتوبر تشرين أول 2015.

د. الكتاب محمد الأمين

رئيس شبكة الرقيب لمراقبة الانتخابات

و رئيس نادي المثقفين الموريتانيين للديمقراطية و التنمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى