أحداث نواكشوط: ردة فعل شعبية تلقائية أم إرهاصات مؤامرة مدبرة ؟

ما وقع في نواكشوط في بحر هذا الأسبوع، عمل غير مسبوق و غير مألوف في بلد عرف بتشبثه المتين بالدين الإسلامي و تعلقه القوي  بقيمه و إكباره  الشديد لرموزه .  و من ثم  فإن اقتحام المساجد و تمزيق المصحف الشريف و العبث به عمدا و عن سابق إصرار، هو عمل محير تماما لأنه مناف لأخلاق و مسلكيات الموريتانيين الذين ما انفكوا منذ عدة قرون يعضون بالنواجذ على تعاليم الإسلام  و يجلون مقدساته و يكنون احتراما و إكبارا عظيمين لرموزه و في المقام الأول للمصحف الشريف و لشخص الرسول الأكرم و لكتب الفقه و السنة النبوية. بل هناك تقديس لكل ما هو مكتوب بلغة القرآن.

و من هنا فقد بات من المحير و من المربك حقا أن تظهر  جماعات موريتانية تتجاسر على شتم علماء الدين ،و تقدم على حرق أمهات كتب الفقه المالكي جهارا نهار ،ا ثم تقوم بالتعرض لشخص الرسول الكريم وينتهي بها الأمر إلى الإقدام على اقتحام المساجد لتمزيق المصاحف داخلها ، هذا فضلا عن نشر الكثير من التجديف والزندقة والتصرفات الغير لائقة على صفحات الفيس بوك..

ولقد أثار هذا العمل الطائش  غضبا عارما لدى كافة الموريتانيين.  فعبروا عن سخطهم الشديد بمظاهرات هادرة عمت    ا رجاء البلاد،  و قد نجم عنها توتر و احتقان شديدان هددا السلم الاجتماعي و الأمن الوطني بالبلاد. ولا يسع المرأ إلا أن يتساءل عن الأسباب  و العوامل و الدوافع التي تكمن وراء هذا التصرف الخارج عن المألوف و عن من هي الجهات  التي تسعى إلى إثارة الشعب الموريتاني و استفزازه من خلال المسا س بمقدساته و جرح مشاعره الدينية ؟

الحقيقة أنه قد ظهرت في البلاد منذ بعض الوقت جماعات لها تظلمات فئوية لا تخلو من الشرعية تطالب بالعدالة و المساواة و القسطاس بين كل مكونات الشعب الموريتاني. و قد نزع بعض هذه الجماعات إلى تبني مقاربة صداميه متشددة و متشنجة تستعمل العنف اللفظي المشحون بالكراهية و العداء الجارف ضد بعض فئات المجتمع الموريتاني على اعتبار أنها هي الفئات المتسلطة المستبدة الظالمة.

و مع مرور الوقت و عدم معالجة هذه الظاهرة  بما هو مطلوب و ضروري من الحكمة و التبصر و الصرامة و المسؤولية ، توسعت الظاهرة لتشمل  مختلف الشرائح الاجتماعية التي تعتبر لسبب أو لآخر أنها تعاني هي الأخرى من الدونية و التهميش و الغبن. و بما أن الإعلام  في موريتانيا حر و متعدد  و مفتوح أمام الجميع فقد جرت  بتغطية كاملة من وسائل الإعلام نقاشات  عديدة تعرضت لمختلف جوانب و تجليات هذه الإشكالية  .

و في هذا السياق  عبر بعض من يوصفون بالفقهاء عن بعض المواقف ربما اعتبرها البعض مزكية و مكرسة  لبعض الفوارق  التي تسعى الشرائح المتذمرة لوضع حد لها.

و نتيجة لنقاش الأفكار هذا ظهرت مواقف  بالغة التطرف و مشاعر مفرطة التشدد،  فترتب عن كل ذلك احتقان ملحوظ أذكاه  التنافس الشديد الذي سبق الانتخابات البرلمانية و البلدية و التي قاطعتها بعض الأحزاب السياسية ووصفتها بالمهزلة و نعتتها بعدم الشفافية و عدم المصداقية.

إلا أنه رغم مقاطعة  بعض أحزاب المعارضة فقد نظمت الانتخابات بمشاركة شعبية فاقت 70%  و أحرز خلالها الحزب الحاكم  على أغلبية المقاعد في البرلمان  و المجالس البلدية  . و جاء حزب الإسلاميين في المرتبة الثانية. و تبعا لهذه الوضعية ، شعرت أحزاب المعارضة المقاطعة بالغضب و الإحباط  و بالكثير من المرارة ، سيما و أن الاستحقاقات الرئاسية على الأبواب.

في ظل هذا الاحتقان و في غياب  إرادة النظام في السعي إلى إقامة حوار بناء مع المعارضة المقاطعة، يفضي إلى إيجاد تفاهمات تمهد لتنظيم انتخابات رئاسية توافقية’، في ظل هكذا ظروف لا يستغرب أن يسود اليأس عند البعض وأن تختفي لديه القناعة بإمكانية حلحلة الأزمة القائمة  عن طريق الحوار السلمي، و أن تطفو على السطح أرادة خضخضة الأوضاع و اللجوء إلى كل الطرق و الأساليب التي يمكنها أن تقود إلى إحداث التغيير عن طريق تأجيج المشاعر و شحن النفوس و إثارة  الغضب و اللجوء إلى الشغب  و خلق الفوضى و الفتنة.

و لا ريب أن ثمة قوى داخلية و خارجية متربصة تسعى إلى  بسط نفودها ووضع يدها على البلاد لتتحكم في مصيرها و توجهها الوجهة التي تريدها، و ذلك  عن طريق بث الفرقة و إشاعة الكراهية بين مختلف مكونات النسيج الاجتماعي و عن طريق تحدي المشاعر الدينية للمواطنين و دفعهم إلى ردة فعل عنيفة هوجاء تأتي على الأخضر و اليابس، من شأنها أن تدخل البلاد في دوامة من العنف و العنف المضاد. و لا يستبعد أن تكون قوى سياسية داخلية هي المسؤولة عن افتعال هذه الأزمة كما لا يستغرب أن تتوسل قوى خارجية  مثل إسرائيل و غيرها بعض الوسطاء الموريتانيين   في الداخل  و الخارج من أجل خلق المتاعب  لنظام محمد ولد عبد العزيز، وصولا إلى تقويضه و إقامة نظام آخر مكانه يخدم أغراضهم  و يراعي مصالحهم الخاصة.

و خلاصة القول هي أن ما يحدث الآن في موريتانيا هو غير مسبوق في تاريخ البلاد. و لا أعتقد أنه تلقائي بل هو في رأيي  أمر مبيت و مخطط له و قد  مهدت له الطريق و هيئت له الأسباب و أعد له المناخ المواتي على نحو متدرج . وقد لا يجانب الصواب  من ربطه بالجهود  الحثيثة التي  تبذلها  حاليا القوى السلفية  من أجل توطيد  نفوذها في منطقتي الشمال الإفريقي و الساحل الصحراوي.

و يتطلب الوقوف في وجه هذه الدسائس و هذه المؤامرات أيا كانت الأيادي التي تحيكها ( الصهيونية – الماسونية – السلفية –  السياسويون المتعطشون للسلطة بأي  ثمن….)، يتطلب الوقوف في وجه هذه المآمرات العمل الجاد المسئول  من أجل تعزيز الجبهة الداخلية و توحيد جهود  و طاقات قوى البلاد الحية الخيرة  ، و ذلك بإشراك الجميع في رسم ملامح  مستقبل البلاد و توزيع العدالة  و إشاعة المساواة بين كافة مكونات المجتمع الموريتاني،  وذلك حتى يزول  أو يتقلص على الأقل الشعور  بالضيم  و الإحساس بالإقصاء و التهميش و الغبن الذي يعاني منه بعضها. على أن يواكب هذه السياسة الكثير من الحزم  و الصرامة و الصلابة من أجل الضرب بكل قوة على أيدي العابثين بمصالح البلاد  العليا و  المستهترين بسلامتها و أمنها و استقرارها.

نواكشوط 5 مارس 2014.

  • محمد الأمين ولد الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى