ﺗﻘدﯾر اﻟﺟدارة: ﺷرط أﺳﺎﺳﻲ ﻟﺗﻘدم اﻟﺑﻼد

إن اﻟﮭوة اﻟﺗﻲ ﺗﻔﺻل اﻟﯾوم ﺑﯾن اﻟﻣﺳﺗوى اﻟﺛﻘﺎﻓﻲ واﻟﻣﮭﻧﻲ ﻟﻠﻌدﯾد ﻣن اﻟﻣﺳؤوﻟﯾن اﻟﻣورﯾﺗﺎﻧﯾﯾن وﺑﯾن ﻣﺎ ﺗﻘﺗﺿﯾﮫ اﻟﻣﮭﺎم اﻟﻣﻧﺎطﺔ ﺑﮭم ﻣن ﺗﺄھﯾل وﻛﻔﺎءة ﻟﺧﻠﯾﻘﺔ ﺑﺄن ﺗدﻓﻊ إﻟﻰ اﻻرﺗﯾﺎب ﻓﻲ ﺣﺗﻣﯾﺔ وﺟود ﻋﻼﻗﺔ ﺳﺑﺑﯾﺔ ﺑﯾن ﺟدارة اﻟﺷﺧص واﻟﻣﻛﺎﻧﺔ اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ واﻟرﯾﺎدﯾﺔ اﻟﺗﻲ ﻗد ﯾﺣﺗﻠﮭﺎ ﺿﻣن اﻟﻣﺣﯾط اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﻲ اﻟذي ﯾﻛﺗﻧﻔﮫ .ﺑل رﺑﻣﺎ زﻋزﻋت ھذه اﻟﮭوة اﻻﻋﺗﻘﺎد ﻓﻲ ﺿرورة ﺗوﻓر اﻟﻣؤھﻼت اﻟﻣطﻠوب ﺗوﻓرھﺎ ﻓﻲ ﻣن ﯾﺟب أن ﺗﻧﺎط ﺑﮭم اﻟﻣﺳؤوﻟﯾﺎت اﻟوطﻧﺔ وﺟﻌﻠت ھذا اﻻﻋﺗﻘﺎد ﯾﺑدو وﻛﺄﻧﮫ ﺿرب ﻣن اﻟدﻏﻣﺎﺋﯾﺔ وﻧوع ﻣن اﻟﺳذاﺟﺔ ﻓﻲ اﻟﺗﻔﻛﯾر . ﻋﻠﻰ أن اﻟﺣﻘﯾﻘﺔ اﻟﺛﺎﺑﺗﺔ اﻟﺗﻲ ﻻ ﺳﺑﯾل إﻟﻰ ﻧﻛراﻧﮭﺎ ھﻲ أن اﻟﺗﻘدم اﻟﻣﮭﻧﻲ واﻻرﺗﻘﺎء اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﻲ ﻟﻠﻣواطن ﺿﻣن ﺳﯾﺎق اﻟﻣﺟﺗﻣﻌﺎت اﻟﺣدﯾﺛﺔ اﻟﻘﺎﺋﻣﺔ ﻋﻠﻰ اﻟﻌﻘﻼﻧﯾﺔ واﻟﻣﻌﯾﺎرﯾﺔ ھﻣﺎ ﻣرھوﻧﺎن ﺑﻣﺳﺗواه اﻟﺛﻘﺎﻓﻲ وﺧﺑرﺗﮫ اﻟﻔﻧﯾﺔ وﻛﻔﺎءﺗﮫ اﻟﻣﮭﻧﯾﺔ وﺧﺻﺎﻟﮫ اﻷﺧﻼﻗﯾﺔ وﻧوﻋﯾﺔ أداﺋﮫ وﻣدى ﻣردودﯾﺗﮫ . وھذا ﻣﺎ ﯾﺟﻌل اﻟﻣواطﻧﯾن ﻓﻲ ﺗﻠك اﻟﺑﻠدان ﯾﺗﺑﺎرون ﻓﻲ ﺑﻠوغ اﻻﻣﺗﯾﺎز وﻧﯾل اﻷﻓﺿﻠﯾﺔ واﻟﺗﻔوق وﺑز اﻷﻧداد وذﻟك ﻓﻲ ﺟو ﺗطﺑﻌﮫ اﻟﺗﻧﺎﻓﺳﯾﺔ اﻟﺳﻠﯾﻣﺔ واﻟﺳﻌﻲ إﻟﻰ اﻟﺗﻔﺎﺿل ﻣﻣﺎ ﯾوﺟد دﯾﻧﺎﻣﯾﻛﯾﮫ ﻣواﺗﯾﮫ ﻟﻠﺧﻠق واﻻﺑداع وﺣﺎﻓزة ﻋﻠﻰ اﻻﻛﺗﺷﺎف واﻻﺧﺗراع ﻓﻲ ﻛل اﻟﻣﺟﺎﻻت . ﻋﻠﻣﺎ أن اﻟﺳﻌﻲ اﻟﺣﺛﯾث وراء اﻹﻣﺗﯾﺎز واﻟﻧﺑوغ ﯾﺷﻛل اﻟداﻓﻊ اﻷﺳﺎﺳﻲ ﻟﺣﺷد اﻟﻣوارد اﻟذھﻧﯾﺔ واﯾﺻﺎﻟﮭﺎ إﻟﻰ أﻗﺻﻰ ﺣدودھﺎ ﻛﻣﺎ أﻧﮫ ﯾﺷﻛل اﻟطرﯾﻘﺔ اﻟﻣﺛﻠﻰ ﻟﻸرﺗﻘﺎء اﻹﺟﺗﻣﺎﻋﻲ واﻟﻧﺟﺎح اﻻﻗﺗﺻﺎدي . ﻓﻼ ﻏراﺑﺔ واﻟﺣﺎﻟﺔ ھذه أن ﺗﻛون اﻟﻣﻧظوﻣﺎت اﻟﺗرﺑوﯾﺔ ﻓﻲ ھذه اﻟﺑﻠدان ﻗد ﺻﻣﻣت ﻣن أﺟل إﻋداد اﻟﻣوارد اﻟﺑﺷرﯾﺔ اﻷﻛﺛر ﻓﻌﺎﻟﯾﺔ وﺻوﻻ إﻟﻰ ﺗﺣﻔﯾز اﻟﺑﺣث اﻟﻌﻠﻣﻲ وﺗﻧﻣﯾﺔ اﻟﻘدرات وﺗﻔﺗق اﻟﻣواھب وﺗوﺳﯾﻊ اﻟﻣدارك ﻓﻲ ﺷﺗﻰ اﻟﻣﻌﺎرف . وﺑﻌﺑﺎرة أﺧرى ﻓﺈن ﺟدارة اﻟﺷﺧص ﻓﻲ اﻟﺑﻠدان اﻟﻣﺗﻘدﻣﺔ واﻻﻋﺗﺑﺎر اﻟذي ﯾﺣظﻰ ﺑﮫ ھﻣﺎ ﻣوازﯾﺎن ﻟﻛﻔﺎءﺗﮫ وأداﺋﮫ واﻟﻘﯾﻣﺔ اﻟذاﺗﯾﺔ اﻟﺗﻲ ﯾﺗوﻓر ﻋﻠﯾﮭﺎ . و ﻣﺟﺗﻣﻌﻧﺎ اﻟﺗﻘﻠﯾدي ﻛﺎن ﻛﻣﺎ ھو ﻣﻌﻠوم ﻋﻧد اﻟﺟﻣﯾﻊ ﯾﺟل اﻟﻌﻠم واﻟﻣﻌرﻓﺔ وﯾﺑﺟل اﻟﻌﻠﻣﺎء واﻟﻌﺎرﻓﯾن وﯾﻧزﻟﮭم ﻣﻧزﻟﺔ رﻓﯾﻌﺔ ﺗﺟﻌﻠﮭم ﯾﺗﺑوؤون ﻣﻛﺎﻧﺔ اﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ ﺳﺎﻣﻘﺔ، ﺑل وﯾﺷﻛﻠوون ﺳﻠطﺔ أدﺑﯾﺔ وروﺣﯾﺔ ذات ﻧﻔوذ ﻛﺑﯾر ﻋﻠﻰ ﻛﺎﻓﺔ ﺷراﺋﺢ اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ اﻟﻣورﯾﺗﺎﻧﻲ .وإن دل ذﻟك ﻋﻠﻰ ﺷﻲء ﻓﺈﻧﻣﺎ ﯾدل ﻋﻠﻰ أن اﻟﻣﻛﺎﻧﺔ واﻟوزن اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﻲ اﻟذي ﻛﺎن ﯾﺣظﻲ ﺑﮫ اﻟﺷﺧص ﻓﻲ ﻣﺟﺗﻣﻌﻧﺎ اﻟﺗﻘﻠﯾدي ﻛﺎﻧﺎ أﯾﺿﺎ ﻣرھوﻧﯾن ﺑﺎﻟرﺻﯾد اﻟﻌﻠﻣﻲ واﻟﺧﺻﺎل اﻷﺧﻼﻗﯾﺔ واﻻﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ اﻟﺗﻲ ﯾﻣﺗﺎز ﺑﮭﺎ ﻋن ﻏﯾره . وﺑﻌد ﻣﺟﯾﺊ اﻻﺳﻌﻣﺎر ﻓﻘد دأﺑت اﻹدارة اﻟﻔرﻧﺳﯾﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﻛرﯾم رﺟﺎل اﻟﻌﻠم وﻣﻌﺎﻣﻠﺗﮭم ﺑﺈﺣﺗرام وذﻟك ﺗﻘدﯾرا ﻟﻣﺎ ﯾﺗوﻓرون ﻋﻠﯾﮫ ﻣن ﻋﻠم وﻣﻌرﻓﺔ ﯾؤھﻼﻧﮭم ﻻﺳﺗﻧﺎم اﻟﺻدارة ﻓﻲ اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ.  وﻣن ﺛم ﻛﺎﻧت اﻟﺳﻠطﺎت اﻻﺳﺗﻌﻣﺎرﯾﺔ ﺗراﻋﻲ ﻓﻲ إﺳﻧﺎدھﺎ اﻟﻣﺳؤوﻟﯾﺎت اﻹدارﯾﺔ واﻟﺳﯾﺎﺳﯾﺔ اﻟﻣﺳﺗوﯾﺎت اﻟﺛﻘﺎﻓﯾﺔ واﻟﻛﻔﺎءات اﻟﻣﮭﻧﯾﺔ واﻟﺧﺻﺎل اﻟذاﺗﯾﺔ ﻟﻸﺷﺧﺎص اﻟذﯾن ﺗﺧﺗﺎرھم ﻟﻠﻧﮭوض ﺑﺎﻟﻣﮭﺎم واﻹﺿطﻼع ﺑﺎﻟﻣﺎﻣورﯾﺎت . ﻛﻣﺎ أن ﺳﺎﺳﺔ اﻟﺟﻣﮭورﯾﺔ اﻷوﻟﻰ اﻟﺗﻲ ﻗﺎﻣت ﺑﻌد اﺳﺗﻘﻼل اﻟﺑﻼد، ﻗد ﺣرﺻوا ﻋﻠﻰ ﻗﺻر اﻟﻣﺳؤوﻟﯾﺎت ﻋﻠﻰ ﻣن ﺗﺗوﻓر ﻓﯾﮭم اﻟﻣﻌﺎﯾﯾر اﻟﺛﻘﻔﺎﯾﺔ واﻟﻛﻔﺎءات اﻟﻣﮭﻧﯾﺔ واﻟﺷروط اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ اﻟﺿرورﯾﺔ وذﻟك رﻏم ﻧدرة اﻟﻣوارد اﻟﺑﺷرﯾﺔ اﻟﻣﺗوﻓرة آﻧذاك . ورﻏم اﻟﺣرﻛﺔ اﻟﺻﺎﻋدة ﻋﺑر اﻟﺳﻠم اﻹداري واﻟﻧﺎﺟﻣﺔ ﻋن اﻻزدﯾﺎد اﻟﻣﺿطرد ﻟﻌدد اﻟوﻛﻼء اﻹدارﯾﯾن واﻟﻛوادر اﻟذﯾن ﻛﺎﻧوا ﯾﻠﺟون ﺳوق اﻟﻌﻣل ﺗﺑﺎﻋﺎ ﻓﺈﻧﮫ ﻟم ﯾﺻر إﻟﻰ إﺳﻧﺎد اﻟﻣﺳؤوﻟﯾﺎت ﺑﺷﻛل اﻋﺗﺑﺎطﻲ ﯾﺗﺳم ﺑﺎﻟﻌﺷواﺋﯾﺔ واﻟﻼﻣﺳؤوﻟﯾﺔ ﺑل ﻛﺎن ذﻟك ﯾﺗم وﻓق ﺷروط ﻣﻌﻠوﻣﺔ وﻣﻌﺎﯾﯾر دﻗﯾﻘﺔ .وﻟم ﯾﻛن اﻟﻣوظﻔون ﺑطﺑﯾﻌﺔ اﻟﺣﺎل ﻣﻌدوﻣﻲ اﻟطﻣوح إﻟﻰ اﻟﺗرﻗﻲ اﻟﻣﮭﻧﻲ وﻟﻛن ﻛﺎن طﻣوﺣﮭم ﯾﺗﺳم ﺑﺎﻟواﻗﻌﯾﺔ وﻣراﻋﺎت اﻟﺿواﺑط واﻟﻣﻌﯾﺎرﯾﺔ واﺣﺗرام اﻟﻣﺳطرة اﻹدارﯾﺔ واﻟﻘواﻋد اﻟﺗﻧظﯾﻣﯾﺔ اﻟﻣﻌﻣول ﺑﮭﺎ ﻓﻲ اﻟﺑﻼد . وﻟﻣﺎ ﺟﺎء اﻟﻌﺳﻛرﯾون إﻟﻰ اﻟﺳﻠطﺔ ﺑدأ اﻟﻧظﺎم اﻟذي ﻛﺎن ﻗﺎﺋﻣﺎ ﻓﻲ اﻟﺑﻼد ﯾﺗداﻋﻲ ﺑﺷﻛل ﺗدرﯾﺟﻲ وﺑدأ اﻟﺳﻠم اﻟﻘﯾﻣﻲ اﻟذي ﻛﺎن ﯾرﺗﻛز ﻋﻠﯾﮫ ذﻟك اﻟﻧظﺎم ﻓﻲ اﻹﺿﻣﺣﻼل واﻟﺗﻼﺷﻲ ﻣﻔﺳﺣﺎ اﻟﻣﺟﺎل أﻣﺎم اﺳﻠوب ﻋﻣل ﯾﻘوم ﻋﻠﻰ اﻟﺳﻠطوﯾﺔ واﻹرادة اﻟﻘﺳرﯾﺔ ﻟﻠﺣﺎﻛم .

52

وﺑﺎﻟﺗدرﯾﺞ ﺣﻠت اﻟﺗﻌﻠﯾﻣﺎت واﻷواﻣر واﻟﻧـزوات ﻣﺣل اﻟﻘواﻋد واﻟﺿواﺑط واﻟﻣﻌﯾﺎرﯾﺔ .واﺳﺗﺑدﻟت اﻟﻣﻌﺎﯾﯾر اﻟﺗﻲ ﻛﺎن ﯾﻘوم ﻋﻠﻰ أﺳﺎﺳﮭﺎ اﻟﺗﻣﺎﯾز ﺑﯾن اﻟﻣواطﻧﯾن واﻟﻣﺗﻣﺛﻠﺔ ﻓﻲ اﻟﻛﻔﺎءة واﻟﻣﮭﻧﯾﺔ واﻷﻣﺎﻧﺔ ﺑﻌﻧﺎﺻر ﺗﻘﯾﯾم أﺧرى ﺗﺗﻣﺛل ﻓﻲ اﻟوﻻء اﻟﺳﯾﺎﺳﻲ اﻟﺗﺎم واﻟﺧﺿوع اﻟﻣطﻠق ﻹرادة اﻟﺣﺎﻛم واﻣﺗﺛﺎل رﻏﺑﺎﺗﮫ ﺑﻼ ﻗﯾد وﻻ ﺷرط . وﻣن ﯾوﻣﮭﺎ ﻟم ﯾﻌد ﯾراﻋﻰ ﻓﻲ اﺳﻧﺎد اﻟﻣﺳؤوﻟﯾﺎت اﻹدارﯾﺔ واﻟﺳﯾﺎﺳﯾﺔ إﻟﻰ اﻷﺷﺧﺎص ﻣؤھﻼﺗﮭم وﻻ ﺳﺟﻼت أﻋﻣﺎﻟﮭم ﺑﻘدرﻣﺎ أﺻﺑﺢ ﯾراﻋﻲ ﻓﻲ ذﻟك إرادة ورﻏﺑﺔ اﻟﺳﻠطﺔ اﻟﻌﺳﻛرﯾﺔ اﻟﻘﺎﺋﻣﺔ . وﻗد ﻛﺎن ﻟﮭذه اﻷوﺿﺎع اﻧﻌﻛﺎﺳﺎت ﻣﺗﻌددة اﻻﺑﻌﺎد وﺑﺎﻟﻐﺔ اﻟﺿرر ﻋﻠﻰ ﻣﺧﺗﻠف ﺟواﻧب اﻟﺣﯾﺎة اﻟوطﻧﯾﺔ .وھﻛذا ﻓﻌﻠﻰ اﻟﺻﻌﯾد اﻟﺳﯾﻛوﻟوﺟﻲ ﺑدأ اﻟﻛذب واﻟﺧداع واﻟﺧﻧوع واﻟﻧﻔﺎق ﯾﺣل ﻣﺣل اﻟﺻدق واﻟﺗﻠﻘﺎﺋﯾﺔ واﻷرﯾﺣﯾﺔ واﻷﺧﻼص اﻟﺗﻲ ﻛﺎن ﯾﺛﻣﻧﮭﺎ اﻟﺟﻣﯾﻊ . وﻋﻠﻰ اﻟﺻﻌﯾد اﻷﺧﻼﻗﻲ ﻓﻘد ﺗم اﻟﺗﺧﻠﻲ ﻋن اﻟﻣﺳﻠﻛﯾﺎت اﻟﻘوﯾﻣﺔ واﻟﻘﯾم اﻷﺧﻼﻗﯾﺔ اﻟﻧﺑﯾﻠﺔ واﻟﻣﺛل اﻟﻌﻠﯾﺎ اﻟﺗﻲ طﺎﻟﻣﺎ ﺷﻛﻠت اﻟﻣرﺟﻌﯾﺔ اﻷﺳﺎﺳﯾﺔ ﻟﻠﻣﺟﺗﻣﻊ اﻟﻣورﯾﺗﺎﻧﻲ . وﻋﻠﻰ اﻟﺻﻌﯾد اﻷﺟﺗﻣﺎﻋﻲ ﻓﻘد ﺑدأت اﻟﺗﻘﺎﻟﯾد اﻟﻌرﯾﻘﺔ واﻟﻣﻣﺎرﺳﺎت اﻟﻣوروﺛﺔ واﻟﻣﺳﻠﻛﯾﺎت اﻷﺻﯾﻠﺔ واﻟﺛواﺑت اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ اﻟﺗﻲ ﻛﺎﻧت ﺗﺷﻛل ﻣرﺗﻛزا ﻟﻣﺧﺗﻠف اﻟﻌﻼﺋق اﻟﺑﯾﻧﯾﺔ ﺑدأت ﺗﻧﺣﺻر ﺿﻣن داﺋرة ﺗزداد ﺿﯾﻘﺎ ﻣﺧﻠﻔﺔ ﺑذﻟك ﻓراﻏﺎ آﺧذا ﻓﻲ اﻻﺗﺳﺎع وﻣﮭددا ﺑﺗﯾﮫ وﺿﯾﺎع ﻟم ﯾﻌرف ﻣﺟﺗﻣﻌﻧﺎ ﻟﮭﻣﺎ ﻣﺛﯾﻼ ﻓﻲ ﻣﺎ ﻣﺿﻲ ﻣن ﺗﺎرﯾﺧﮫ . وﻋﻠﻰ اﻟﺻﻌﯾد اﻻﻗﺗﺻﺎدي ﻓﻘد اﺛﺑﺗت اﻟﺗﺟرﺑﺔ اﻟﯾوﻣﯾﺔ ﺑﻣﺎ ﻻ ﯾﺗرك ﻣﺟﺎﻻ ﻟﻠﺷك أن اﺳﻧﺎد ﻣﺳؤوﻟﯾﺎت ﺗﺳﯾﯾر اﻟوﺣدات اﻟﺗﻲ ﺗﺷﻛل ﻧﺳﯾﺞ اﻗﺗﺻﺎد اﻟﺑﻼد إﻟﻰ اﺷﺧﺎص ﯾﺗم اﺧﺗﯾﺎرھم ﺑﻧﺎء ﻋﻠﻰ وﻻءاﺗﮭم اﻟﻼﻣﺷروطﺔ وﻟﯾس ﺗﺑﻌﺎ ﻟﻛﻔﺎءاﺗﮭم وﻣؤھﻼﺗﮭم ھو اﻟﺳﺑب اﻟرﺋﯾس اﻟﻛﺎﻣن وراء ﺳوء اﻟﺗﺳﯾﯾر واﻟﻔﺳﺎد واﻻﺧﺗﻼس واھدار اﻟﻣوارد اﻟوطﻧﯾﺔ . وﻋﻠﻰ اﻟﺻﻌﯾد اﻟﻣؤﺳﺳﻲ ﻓﺈن ﺿﻌف اﻟﻣﺳﺗوى اﻟﺛﻘﺎﻓﻲ ﻟﺑﻌض ﻣن ﯾﺣﺗﻠون ﻣﻧﺎﺻب ﻋﺎﻟﯾﺔ ﺿﻣن اﻟﻣؤﺳﺳﺎت اﻟوطﻧﯾﺔ اﻷﺳﺎﺳﯾﺔ وﺗﮭﺎﻓﺗﮭم اﻟﻧﻔﺳﻲ واﻷﺧﻼﻗﻲ ھو اﻟﺳﺑب ﻓﻲ ﺗدﻧﻲ ﻣﺳﺗوى أداءھم ﻋﻠﻰ اﻟﺳﺎﺣﺔ اﻟوطﻧﯾﺔ وھو اﻟﻣﺳؤول ﻋن ﺿﻌف إﺷﻌﺎع اﻟﺑﻼد ﻋﻠﻰ اﻟﻣﺳﺗوى اﻟدوﻟﻲ . وﻋﻠﻰ اﻟﺻﻌﯾد اﻟﺛﻘﺎﻓﻲ ﻓﺈن ﺗﺳﺧﯾف اﻟﺟدارة اﻟﻣﺗﻣﺛل ﻓﻲ ﺗﻘزﯾم اﻟﻛﻔﺎءة وﺑﺧس اﻟﻣﻘدرة واﺣﺗﻘﺎر اﻟﻣﻌرﻓﺔ وإﻗﺻﺎء ﺻﻔوة اﻟﻣﺛﻘﻔﯾن وﺗﮭﻣﯾش اﻟﻧﺧﺑﺔ اﻟوطﻧﯾﺔ اﻟﻣﺗﻧورة .ﻛل ذﻟك ﻛﺎن ﻟﮫ اﺛر ﺳﯾﺊ ﻟﯾس ﻓﻘط ﻋﻠﻰ اﻟطﺑﻘﺔ اﻟﻣﺛﻘﻔﺔ ﻓﻲ اﻟﺑﻼد ﺑل ﻛذﻟك ﻋﻠﻰ اﻟﻣﻧظوﻣﺔ اﻟﺗرﺑوﯾﺔ اﻟوطﻧﯾﺔ ﺑﻛﺎﻣﻠﮭﺎ وﻋﻠﻰ اﻟﺑﺣث اﻟﻌﻠﻣﻲ واﻹﻧﺗﺎج اﻟﻔﻛري ﻋﻠﻰ وﺟﮫ اﻟﻌﻣوم . أﺟل إن اﻧﻌدام ﺑﻧﻰ اﺳﺗﻘﺑﺎل ﻣﺧﺻﺻﺔ ﻟﻠطﻼب اﻟﻣورﯾﺗﺎﻧﯾن اﻟذﯾن ﯾﻌودون إﻟﻰ اﻟﺑﻼد ﺑﻌد ﺣﺻوﻟﮭم ﻋﻠﻰ ﻣؤھﻼت آﻛﺎدﻣﯾﺔ ﻋﺎﻟﯾﺔ .واﻟذﯾن ﯾﺿطرون، ﻧﺗﯾﺟﺔ ﻟﻣﺎ ﯾﻼﻗوﻧﮫ ﻣن إھﻣﺎل، إﻟﻰ اﻟﮭﺟرة ﻣن ﺟدﯾد ؛ ﻛﻣﺎ أن اﻟوﺿﻌﯾﺔ اﻟﻣزرﯾﺔ ﻟﮭﯾﺄة اﻟﺗدرﯾس ﻋﻠﻰ ﻛل ﻣﺳﺗوﯾﺎت اﻟﻣﻧظوﻣﺔ اﻟﺗرﺑوﯾﺔ ﻣﺿﺎف إﻟﯾﮭﺎ ﺿﻌف اﻟﺿﻣﯾر اﻟﻣﮭﻧﻲ ﻟدى ﺑﻌض اﻋﺿﺎﺋﮭﺎ، زﯾﺎدة ﻋﻠﻰ ﺿﺣﺎﻟﺔ اﻟﺑﺣث اﻟﻌﻠﻣﻲ اﻟﻣﺗرﺗﺑﺔ ﻋن ﻛﺳل اﻟﻌدﯾد ﻣن ﻣدرﺳﻲ اﻟﺗﻌﻠﯾم اﻟﻌﺎﻟﻲ وﻋدم أھﺗﻣﺎم أﻏﻠب ﻣﺳؤوﻟﻲ اﻟﻣؤﺳﺳﺎت اﻟﺟﺎﻣﻌﯾﺔ اﻟوطﻧﯾﺔ ﺑدﻓﻊ اﻹﻧﺗﺎج اﻟﻔﻛري ﻣﺿﺎف إﻟﻰ ھذا وذاك ﻏﯾﺎب ﺳﯾﺎﺳﺔ ﻓﻌﺎﻟﺔ ﻟﺗﺣﻔﯾز اﻟﺑﺎﺣﺛﯾن اﻟوطﻧﯾﯾن واﻧﻌدام دور وطﻧﯾﺔ ﻟﻠﻧﺷر  ﻛل ھذه اﻟﻌواﻣل ﻣﺟﺗﻣﻌﺔ أدت إﻟﻰ ﺗﺛﺑﯾط ﻋزاﺋم اﻟﺗﻼﻣﯾذ واﻟطﻼب وإﻟﻰ ﺗزھﯾدھم ﻓﻲ اﻟدراﺳﺔ واﻟﺗﺣﺻﯾل .وﻟﻌل ﻣﺎ ﯾﺷﺎھدوﻧﮫ ﻣن اﺳﺗﻔﺣﺎل ﺑطﺎﻟﺔ ﺣﻣﻠﺔ اﻟﺷﮭﺎدات وازدﯾﺎد ﺗﮭﻣﯾش اﻟﻣﺛﻘﻔﯾن اﻟﻣﻘﺗدرﯾن ﻟﻔﺎﺋدة اﺻﺣﺎب اﻟﻣﺳﺗوﯾﺎت اﻟﻣﺗدﻧﯾﺔ واﻟﻣؤھﻼت اﻟﻣﻌدوﻣﺔ ﯾزﯾد ﻣن اﺿﻌﺎف إرادﺗﮭم ﻓﻲ اﻟﻣﺿﻲ ﻓﻲ اﻗﺗﻧﺎء اﻟﻣﻌﺎرف وﯾﻌﻣق زھدھم ﻓﻲ اﻟﺛﻘﺎﻓﺔ واﻟﻌﻠم اﻟذﯾن ﻟم ﯾﻌودوا ﯾرون ﻟﮭﻣﺎ ﻓﺎﺋدة ﻓﻲ ظل اﻟظروف اﻟﺳﺎﺋدة اﻟﯾوم ﻓﻲ اﻟﺑﻼد . وﻣﻣﺎ ﯾؤﺳف ﻟﮫ أن ھذه اﻟوﺿﻌﯾﺔ ﻗد أدت إﻟﻰ ﺻدود ﻣﺗزاﯾد ﻋن اﻟﺛﻘﺎﻓﺔ وإﻟﻰ ازدراء ﻣﺗﻔﺎﻗم ﻟﻠﻣﺛﻘﻔﯾن اﻟذﯾن ﺗﺷﻛل ﻣﻌﺎرﻓﮭم اﻟﻣورد اﻟوﺣﯾد اﻟذي ﯾﻣﻠﻛوﻧﮫ .ﻋﻠﻰ أن ھذا اﻟﻣورد أﺿﺣﻰ اﻟﯾوم ﺑﺿﺎﻋﺔ ﻛﺎﺳدة ﻟﯾس ﻟﮭﺎ أدﻧﻰ رواج وﻻ ﻣردودﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﺳوق اﻟوطﻧﯾﺔ ﻓﻲ ظل اﻻوﺿﺎع اﻟﻘﺎﺋﻣﺔ . واﻋﺗﺑﺎرا ﻟﻛل ﻣﺎ ﺗﻘدم ذﻛره ﻓﺈﻧﮫ ﯾﻣﻛن اﻟﻘول إن اﻟﺑﻠد ﯾوﺟد اﻟﯾوم ﻋﻠﻰ ﻋﺗﺑﺔ أزﻣﺔ أﺧﻼﻗﯾﺔ واﺟﺗﻣﺎﻋﯾﺔ وﺛﻘﺎﻓﯾﺔ ﺑل وﺣﺿﺎرﯾﺔ ﻓﻲ ﻏﺎﯾﺔ اﻟﺧطورة . وھذه اﻷزﻣﺔ ﺑﻠﻐت ﻣن اﻟﻌﻣق واﻟﺗﻌﻘﯾد ﺣدا ﻟم ﺗﻌد ﻣﻌﮫ ﺣﻣﻠﺔ ﻣﺣو اﻷﻣﯾﺔ رﻏم ﻣﺎ ﺗﻛﺗﺳﯾﮫ ﻣن أھﻣﯾﺔ وﻻ ﺳﯾﺎﺳﯾﺔ ﺗرﻗﯾﺔ اﻟﻛﺗﺎب وﻧﺷر ﻋﺎدة اﻟﻘراءة ﻣﻊ ﻣﺎ ﻟﮭﺎ ﻣن اﺟﺎﺑﯾﺔ ﻗﺎدرﺗﯾن وﺣدھﻣﺎ ﻋﻠﻰ اﻟﺣد ﻣن أﺿرارھﺎ واﺑطﺎل ﻣﻔﻌول ﻛل أﺑﻌﺎدھﺎ .ﻓﮭﻲ ﺗﺷﻛل ﺗﺣدﯾﺎ ﯾﺗطﻠب رﻓﻌﮫ ﺻﺣوة وطﻧﯾﺔ ﺣﻘﯾﻘﯾﺔ . وﻟﻌل اﻟﻣﻘﺎرﺑﺔ اﻟوﺣﯾدة اﻟﻘﻣﯾﻧﺔ ﺑرﻓﻊ ھذا اﻟﺗﺣدي ھﻲ إﻋﺎدة اﻻﻋﺗﺑﺎر إﻟﻰ اﻟﺟدارة وذﻟك ﻋﺑر ﺗﺛﻣﯾن اﻻﻣﺗﯾﺎز وﺟﻌﻠﮫ اﻟﺳﺑﯾل اﻷوﺣد إﻟﻰ اﻟﺗرﻗﯾﺔ اﻷﻗﺗﺻﺎدﯾﺔ واﻻرﺗﻘﺎء اﻻﺟﺗﻣﺎﻋﻲ واﻟﺗﻣﯾز اﻵﻛﺎدﻣﻲ. ذﻟك أﻧﮫ إذا ﻣﺎ ﺗرﺳﺧت اﻟﻘﻧﺎﻋﺔ ﺑﺄن اﻻﻣﺗﯾﺎز واﻟﻧﺑوغ ﯾﺷﻛﻼن ﻋﺎﻣل ﺗﺛﻣﯾن وﻋﻧﺻر ﻣﻔﺎﺿﻠﺔ وداﻋﻲ ﻓﺧر وﺳﺑﯾل ﻧﺟﺎح اﺟﺗﻣﺎﻋﻲ وﻣﺎدي ﻓﺈن ذﻟك ﺳﯾﻘود ﺑدون أدﻧﻰ ﺷك ﻋﺑر اﻟﻣﻧﺎﻓﺳﺔ اﻟﺑﻧﺎءة إﻟﻰ ﺗﻔﻌﯾل اﻟﻣﻧظوﻣﺔ اﻟﺗﻌﻠﯾﻣﯾﺔ واﻟﻧﮭوض ﺑﺎﻟﺑﺣث اﻟﻌﻠﻣﻲ وﺗﺣﻘﯾق اﻷزدھﺎر اﻟﺛﻘﺎﻓﻲ واﻟﺳﻣو اﻻﺧﻼﻗﻲ واﻟﻧﻣو اﻻﻗﺗﺻﺎدي ﻣﻣﺎ ﯾﻣﮭد اﻟطرﯾق أﻣﺎم اﻟﻘﻔزة اﻟﺣﺿﺎرﯾﺔ اﻟﺗﻲ ﯾرﻏب اﻟﻣورﯾﺗﺎﻧﯾون اﻟﻣﺗﻧورون ﻓﻲ ﺗﺣﻘﯾﻘﮭﺎ ﻗﺻد اﻟﻠﺣﺎق ﺑرﻛب اﻷﻣم اﻟراﻗﯾﺔ

نواكشوط 13 يناير 2005 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى