ضرورة إنشاء مؤسسة جديدة لترقية الثقافة ودرء أخطار العولمة

بعد ما قد تم إنجازه من إصلاحات ساسية ومؤسسية واقتصادية بالبلاد خلال العقود الثلاثة المنصرمة، تولدت لدى صانعي القرار الوطنيين القناعة بأن التحول الاجتماعي المنشود والقفزة الحضارية المطلوبة لن يتم بلوغهما ما لم تواكب الإنجازات الاقتصادية المحققة طفرة معرفية وصحوة ثقافية يكون لهما مفعول محسوس على الذهنية العامة والمسلكيات الاجتماعية في البلاد.

ولذا تم اعتماد سياسات تستهدف محاربة الأمية وتشجيع المطالعة وتوفير الكتب وإنشاء المكتبات في كل أرجاء الوطن وصولا إلى وضع المعرفة في متناول الجميع.

ومن أجل تخطي الركود الثقافي ومعالجة النقص الملحوظ في الإنتاج الفكري بالبلاد، تم وضع آلية أنيط بها العمل على تشجيع العطاء الفكري ودفع البحث العلمي في حقول معرفية معينة وتلك الآلية هي مجلس جائزة شنقيط.

وقد انحصرت لحد الآن المهمة المسندة إلى هذا المجلس في استدرار عقول المثقفين الوطنيين وشحذ هممهم واستداراجهم عبر التشجيع المادي والمعنوي على الإنتاج الفكري ضمن حقول معرفية محددة، إذ لا بد أن تتم البحوث التي قد يصار إلى إنجازها في مجالات الأدب والعلوم الدقيقة والطب والعلوم الدينية، وما عدا هذه الجوانب الثقافية فهو خارج دائرة الاهتمامات الموكلة إلى المجلس.

وهنا تتبادر إلى الذهن ملاحظتان أثنتان، الملاحظة الأولى هي محدودية دور ينحصر في القيام بالإجراءات المسطرية والإدارية لعملية تحفيز المنتجين في أحد المجالات المحددة سلفا.

والمجلس إن كان يملك صلاحية تحديد المعايير التي يتم على أساسها ترتيب الإنتاجات الفكرية المحالة إليه من حيث الجودة والقيمة العلمية، فإنه لا يملك صلاحية التفاعل مع المثقفين والتشاور معهم من أجل تحديد المجالات المعرفية التي يمكن أن تتم البحوث فيها على ضوء سياسة ثقافية شاملة وواضحة المعالم والأهداف.

والملاحظة الثانية هي أن المجلس لم تنط به مهمةالقيام بطبع ونشر وتوزيع الأعمال ذات الامتياز التي يتم انتقاؤها تعميما للفائدة وإسهاما في إثراء الرصيد العلمي الوطني ورفد التراث الثقافي العربي والعالمي الشيء الذي يؤدي إلى الحيلولة بين الإنتاج الفكري الذي قيم بإنجازه وعامة المستهلكين الموجودين على الساحة الوطنية مما يحول بدوره دون الإسراع بوتيرة عملية التراكم المعرفي الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى التحول الحضاري المتعدد الأبعاد الذي ينشده الجميع.

ويجدر التنويه هنا إلى أن مجلس جائزة شنقيط قد أنشئ كما أومأنا إليه، من أجل دفع البحث العلمي وصولا إلى قيام نهضة ثقافية شاملة بالبلاد وكان ذلك في ظل ظروف ربما ساد فيها الاعتقاد لدى أصحاب القرار أن الثقافة الجديرة بالاهتمام وربما الاحترام هي الثقافة العالمة التي تتمثل حصرا في العلوم الإنسانية وعلوم الطبيعة والعلوم الدقيقة والطب وما شاكل ذلك.

1- الثقافة في ظل العولمة : ماهيتها ومراميها

أما اليوم فإن التواصل والاتصال والتدفق المذهل للمعلومات عبر الفضائيات وشبكات الإنترنت عن طريق الأقمار الصطناعية، كل ذلك قد أدى إلى عولمة كاملة أصبحت معها الكرة الأرضية بمثابة قرية واحدة، ونتيجة لهذه العولمة تلاشت الحدود وانعدمت الحواجز أمام تدفق المنتوجات الماديةوالثقافية ولم تعد الثقافة نشاطا ذهنيا مجردا يراد به الترف الفكري فقط أو يستهدف مجتمعا بعينه أو فئة بعينها بل تحولت إلى كم هائل من المنتوجات المصنعة المختلفة يتم إنتاجها لتسويقها وجعلها في متناول كل المستهلكين في كل الأسواق الموجودة على ظهر البسيطة.

وهذه المنتوجات المصنعة والمتمثلة في الكتب و المجلات والنشريات والاقراص المضغوطة والأشرطة والشرائح ولوجستيات إنتنت وغيرها كلها مشحونة بمضامين إديولوجية وقيم أخلاقية واجتماعية نابعة من صميم المجتمعات الغربية المصنعة وهي لا تستهدف جني أرباح تجارية وافرة فحسب بل إنها أيضا ترمي في المدى القصير إلى تذويب الفوارق الأخلاقية والخصوصيات الثقافية للبلدان المستهلكة لهذه المنتوجات وصولا إلى طمس هواياتها وإ خضاعها إلى تبعية ثقافية دائمة.

ولا ريب ان هذه الأوضاع الناجمة عن استفحال ظاهرة العولمة والأخطار المحدقة التي قد تترتب عن مضاعفاتها تملي إعادة النظر في ماهية الثقافة من أجل إعادة تعريفها وإعادة تقييم مكانتها ضمن السياق الاقتصادي والاجتماعي الوطني.

كما تملي ضرورة إعادة النظر بشكل جذري في دور ووظيفة الآليات والمؤسسات القومية المنوط بها تطوير وتفعيل الجانب الثقافي من الحياة الوطنية ومن ضمن هذه الآليات مجلس جائزة شنقيط حيث لم يعد من العقلانية ولا من النجاعة أن تقتصر مهام هذه المؤسسة وكل نشاطها على استقبال وتصنيف بضعة مواضيع تتصل بمجالات معرفية محددة ومحدودة لانتقاء صفوتها بهدف إجازتها ثم طرحها جانبا.

2- ضرورة بلورة استراتيجية ثقافية وطنية ووضع آلية ملائمة لتنفيذها :

وفي ظل ظروف تطبعها الثورة الرقمية والانفجار الإعلامي والاختراعات التكنولوجية المتلاحقة وفي معترك سياق دولي تحولت فيه المكونات الثقافية إلى منتوجات مصنعة غمرت الأسواق وغزت العقول وأثرت في ذهنيات الشعوب ومسلكياتها وانماط عيشها، فإنه اضحى من الضروري بل من الحيوي أن نتبنى نظرة أكثر شمولية لمفهوم الثقافة وأن نوسع دلالتها بحيث تشمل إلى جانب شتى أنواع العلوم كل الفنون والفلكلور والنشاطات الترفيهية والرياضية ما ألفناه منها وما لم نألفه، فلا بد أن يتوسع مفهومنا للثقافة ليشمل الرسم والنحت والمسرح والسينما.

وفنون الرقص (الباليه والأوبيرا) والغناء والموسيقي والعرائس والرسوم المتحركة وفن الخياطة العالية وعرض الأزياء وفن الطهي والمطبخ وفنون التنميق والبستنة والفنون القتالية وفنون السباحة والرماية والسباق والعاب القوى… إلخ.

فكل هذه النشاطات الذهنية ولاإبداعية والفنيةوالإنجازات اليدوية والأداءات الجسدية.. يجب إتقانها والبراعة فيها ودمجها في حركية متكاملة تتجلى من خلالها مواهبنا الذاتية ومهارتنا وعبقريتنا ولياقتنا البدنية وقدرتنا علىالابتكار والخلق والإبداع.

وللارتقاء إلى المستوى الذي تقتضيه العولمة من جاهزية وتنافسية وامتياز فإنه يجب من بين أشياء أخرى وضع استراتيجية ثقافية متكاملة ترمي من خلال تطوير وتفعيل كافة المقومات الثقافية التي ذكرناها آنفا إلى الحفاظ على ذاتيتنا وصيانة هويتنا الثقافية وقيمنا الأخلاقية، وتهدف إلى الإسهام في رقينا الاجتماعي ونهضتنا الحضارية. ويجب أن تخلق آليات ملائمة تناط بها مهمة السهر على وضع هذه الاستراتيجية موضع التنفيذ – على أن تتصدر هذه الآليات مؤسسة تقام على أنقاض مجلس جائزة شنقيط الحالي ويمكن تسمية هذه المؤسسة بالمجلس الوطني الأعلى لترقية المعارف والفنون والقدرات البدنية، على أن تحوي هذه المؤسسة عدة قطاعات وتحديدا :

قطاع العلوم الدقيقة، ويضم

دائرة الرياضيات

دائرة علوم الارض

دائرة الكيمياء والفيزياء

قطاع العلوم الطبية والبيطرية والصيدلة، ويضم

دائرة الطب البشري

دائرة البيطرة

دائرة الصيدلة والعلاج بالأعشاب

قطاع العلوم الإنسانية، ويضم

دائرة الآداب

دائرة اللسانيات والترجمة

دائرة علم الاجتماع

دائرة التاريخ والجغرافيا

دائرة علم النفس.

قطاع الفنون التشكيلية، ويضم

دائرة الرسم والزخرفة

دائرة النحت والأعمال اليدوية ذات الطابع الفني

دائرة الخياطة والطرز وعروض الأزياء

قطارع الاتصال والسمعيات البصرية، ويضم

دائرة السينما والأشرطة الوثائقية

دائرة الرسوم المتحركة وبرامج الأطفال

دائرة الفنون الترفيهية والأدائية ويضم :

دائرة المسرح والباليه والأبيرا

دائرة الفولكلور

دائرة الرقص والكريوغرفيا

دائرة الموسيقى

دائرة ألعاب الكرة بأنواعها

دائرة الفنون القتالية

دائرة السباحة والسباق والرماية

قطاع فنون الطهي والمطبخ.

3- مهام المجلس الوطني الأعلى لترقية المعارف والفنون والقدارت البدنية وحقل عمله

هذه هي الهيكلة التي يمكن أن تقوم عليها هذه المؤسسة علما أن هذه الهيكلة يجب أن تتسم بالمرونة وقابلية التغيير والتحوير وفق مقتضيات الظروف والمتغيرات. ويجب أن تتمثل المهام الأساسية لهذا المجلس في وضع استراتيجية ثقافية شاملة ومتعددة الأبعاد تهدف إلى ترقية وعصرنة وتفعيل كافة مكونات ومكانيسمات الثقافة بالبلاد وذلك بالعمل الدؤوب على رعاية المواهب واستنبات العبقريات وتعهد الفنون واستدرار المعارف.وبالعمل كذلك على خلق وتطوير مختلف الصناعات الترفيهية والمنتوجات الثقافية المصنعة وإعداد الظروف الموضوعية والذاتية لجعل ثقافتنا دعامة متينة لهويتنا وخصوصيتنا.

وبجعلها كذلك درعا واقيا للحؤول دون ذوبان مقوماتنا وتمييع قيمنا ومثلنا.

وبجعلها فوق هذا ذاك رافدا لنشاطات صناعية تقوم بإنجاز منتوجات مدرة للارباح ومغذية للعقول وعاكسة للعبقرية الوطنية المميزة.

ويتم إشعاع المجلس على الساحة الثقافية الوطنية من خلال تشاوره وتحاوره وتفاكره مع مؤسسات التعليم العالي والمؤسسات المهنية ومنظمات المجتمع المدني والفاعلين الاقتصاديين والهيئات الحكومية وجمهور المثقفين ورابطات الحرفيين وغير ذلك من الفعاليات الوطنية.

ويتم التحاور مع هذه الهيئات من أجل توعيتها وتحسيسها بأهمية الاستراتيجية الثقافية الوطنية المذكورة وبضرورة أخذ مقتضياتها وخطط تنفيذها بعين الاعتبار بما يتماشى والمصالح الأساسية لهذه الهيآت، فالخطط التي يضعها المجلس على ضوء التوجهات الأساسية للبلاد والتوجيهات التي يحددها ينبغي أن تراعي ظروف كل هيأة من هذه اليهآت وسلم أولوياتها علما أنه في التحليل النهائي ينبغي وضع المصلحة العامة للبلاد فوق كل اعتبار آخر.

ومن الوارد أن يكون النهوض بالبحث العلمي الأساسي والتطبيقي والسمو بمستوى الذائقة الفنية للأمة والارتقاء بمستوى التمدن بالبلاد وتكثيف تواجدها وفعالية هذا التواجد في المنتديات الفكرية والفنية الدولية وتوسيع نطاق إشعاعها الثقافي والحضاري، من صميم اهتمامات وصلاحيات المجلس الوطني الأعلى لترقية المعارف والفنون والقدرات البدنية الذي أضحى وجوده اليوم أكثر من أي وقت مضى، ضروريا وملحا من أجل استنفار الموارد الثقافية الوطنية للوقوف في وجه أخطار العولمة المحدقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى