السبيل إلى خلق ساحة ثقافية موريتانية نشطة

هذه الساحة بأنها سياق اجتماعي يكون فيه مفهوم الثقافة واسعا ومتعدد الأبعاد بحيث ان بالإمكان معالجة هذه الأشكالية حسب مقاربة تقوم على العناصر الآتية : أولا التعريف بماهية ساحة ثقافية نشطة (مواصفاتها، خصائصها، مكوناتها…) ثانيا التعرض لذكر المتطلبات الاساسية لوجود ساحة ثقافية نشطة نموذجية. ثالثا تقييم الساحة الثقافية الوطنية على ضوء تلك المتطلبات. رابعا ذكر أسباب الركود الذي تتسم به الساحة الثقافية في البلاد في ظل الأوضاع الراهنة. خامسا تقديم بعض الحلول والأقتراحات الكفيلة بكسر الجمود الذي تعاني منه هذه الساحة وإعطاؤها الأنطلاقة الخليقة بدفعها والنهوض بمستواها على مختلف الأصعدة.

  1. ماهية ساحة ثقافية نشطة :

يمكن تعريف لا يقتصر على ما يسميه البعض بالثقافة النبيلة أي الانتاج الذهني الصرف في أحد مجالات العلوم الإنسانية أو العلوم الدقيقة بل يتجاوز ذلك إلى مختلف أنواع النشاطات والممارسات ذات الطابع الفكري والفني والجسدي التي تخاطب العقل والوجدان بهدف توسيع المدارك الذهنية وتعميق الوعي الجمالي وصولا إلى التثقيف والمتعة والتسلية والارتقاء بالذائقة العامة.

الساحة الثقافية النشطة هي المحيط الذي ينشط فيه التأليف في مختلف مجالات المعرفة وتروج فيه الكتب والمجلات والصحف. وتكثر فيه المحاضرات والندوات الفكرية والأمسيات الشعرية والعروض الفنية والنقاش والتفاكر الحر عبر وسائل الإعلام إضافة إلى الخلق والإبداع وتنامي المقدرات الجسدية والمواهب الإنجازية.

ومن مميزات الساحة الثقافية النشطة الإنتاج الوافر ذو المستوى الرفيع في مجال الآداب نثرا وشعرا ومسرحا. وفي مجال الفنون التشكيلية رسما ونحتا وزخرفة وتنميقا وفي مجال الرقص والكوريوغرافيا أهازيج فلكلورية وأبيرا وباليه وفي مجال السمعيات البصرية سينما وأشرطة وثائقية واقراصا مضغوطة وعرائس ورسوما متحركة للاطفال. وفي مجال فنون الطهي والمطبخ وفي مجال الخياطة العالية وعروض الازيا.

وكذلك في مجال العاب المجتمع التقليدي منها والعالمي. ولا بد إضافة إلى ذلك من وجود إعلام فعال قادر على أن يكون رافدا وداعما ومشعا للإنتاج الثقافي على اختلاف أنواعه والوانه.

ومن مواصفات ساحة ثقافية ناشطة أيضا تطور وتنوع البحث العلمي بنوعية الأساسي والتطبيقي فضلا عن انتشار تقنيات الإعلام الجديدة المتمثلة في استخدام الأنترنت على نطاق واسع الشيء الذي يجد ترجمته في قيام شبكة واسعة من المقاهي الألكترونية وكذلك تطور الصناعات الترفيهية (Industries de distraction) في مجال صناعة الأقراص والالعاب الالكترونية والأشرطة والرسوم المتحركة إلخ…

  1. متطلبات وجود ساحة ثقافية ناشطة :

غنى عن البيان أن الساحة الثقافية الناشطة لا يمكن أن تاتي من فراغ أو بشكل تلقائي. بل إنها تقتضي توفر مجموعة من الشروط. ولعل من أهم هذه الشروط :

أ. بعد تاريخي ملائم : ويتمثل في تقاليد فكرية قديمة وتراكمات معرفية تشكل الأرضية التي ينطلق منها النشاط الثقافي باختلاف تجلياته ويستمد منها مقومات نمائه.

ب. إطار مؤسسي فعال : ويتمثل في وجود استراتيجية محكمة لإزالة الأمية ونشر المعرفة على أوسع نطاق وذلك عبر بلورة منظومة تعليمية فعالة تتسم بالمنهجية والعقلانية وتتيح قيام مؤسسات تعليمية عالية المردودية يتم تزويدها بالمدخلات الضرورية حتى تكون مخرجاتها مرضية ومستوفية للأغراض المنشودة.

ج. تأطير بشري متوفر على الكفاءات الضرورية : فلكي يكون بالإمكان بلورة استراتيجية ثقافية محكمة ولكي يصار إلى تأطير المؤسسات التعليمية وتسييرها على الوجه المطلوب، فلا بد أن يتوفر القيمون على قطاع الثقافة وما يتصل به من نشاطات على رصيد معرفي واسع وعلى كفاءة فنية وتجربة مهنية مرضية حتى يكون بمقدورهم الارتقاء بمستوى كل أشكال الإنتاج الثقافي في البلاد.

  1. تقييم الساحة الثقافية الوطنية على ضوء النمط المذكور :

لكي نقييم الوضعية الراهنة للساحة الثقافية الموريتانية فإنه يجدر النظر إليها على ضوء خصائص ومميازات الساحة الثافية الميثالية التي تعرضنا لذكرها آنفا فكما يقال : “إنما بأضدادها تتميز الأشياء”.

في هذا السياق يمكن القول بأن الساحة الثقافية الموريتانية تتسم في الوقت الراهن بركود كامل يشمل كل أنواع الأنتاج الفكري وكافة أنواع الإبداع الفني. فحركة التأليف والطباعة والنشر تكاد تكون معدومة. والنشاطات الثقافية نادرة كما أن الإبداع الرفيع في مجال النثر والشعر والمسرح والفنون التشكيلية والموسيقى والرقص والسنما والفنون الانجازية (Performing arts) وغير ذلك متواضع كما وكيفا.

الساحة الوطنية خالية من الكتب الحديثة والمجلات والصحف المختصة في نشر ومتابعة الإنتاج الأدبي والفني معالجة ونقدا. وسائل الإعلام المحلية على اختلاف أنواعها ضعيفة وضحلة لافتقارها للامكانيات لمادية والكوادر المؤهلة ولغياب هامش الحرية للتعبير الغير موجه والغير مؤدلج. ومن ثم فليس بمقدورها الاسهام في النهوض بالثقافة على الوجه الأكمل.

الساحة الثقافية خالية من العروض الفنية والمهرجانات الفلكلورية والموسيقية التي تعرف بخصائص البلاد وعبقريتها المميزة في مجال الغناء والرقص وعروض الازياء والأهازيج الشعبية والألعاب التقليدية وفنون الطبخ المحلية… فالساحة عاجزة في الوقت الراهن عن بلورة إنتاج مسرحي أو سينمائي أو موسيقي أو فني تشكليلي يعرف بالبلاد ويتيح لها أن تشارك في المنتديات الدولية.

ونتيجة للركود الثقافي الذي يهيمن على الساحة الوطنية فقد تدنت الذائقة العامة وضمر الحس الجمالي وخبؤ التوقد الذهني لدى السواد الاعظم من ساكنة هذا البلد.

ونتيجة أيضا لهذا التصحر الثقافي مضاف إليه روح البداوة المتأصلة وغياب تقاليد مدنية عريقة فإننا نلاحظ فوضى معمارية عارمة تعم مدننا ونلاحظ غياب معالم فنية (Monuments artistiques) في كافة مدننا كما نلاحظ عدم تسمية شوارعنا بأسماء مستمدة من تاريخنا وتراثنا الثقافي.

كما يمكن أن نلحظ باشمنزاز وتقزز المسميات التي تحملها بعض الأماكن أو القرى ببلادنا (La toponymie) والتي تنم حسب رأي عن مزيج من غياب العمق الحضاري وعدم أعتبار الذات وآكتفي من هذه المسميات بالآتية :

  • عوينات أزبل
  • أحسي الطين
  • الغبرة
  • بوصطيلة
  • لمخينز
  • أودي لعقارب…

وقد كان ولا زال بالإمكان اختيار أسماء أكثر إيجابية توحي بالذوق السليم والتحضر مثل : الفيحاء – مروج – غزلان – عبير – غدران …إلخ.

كما أنه يمكن لشوراع مدننا وساحاتها العمومية وأحياءها التي تركت بدون أسماء أو أطلقت عليها أسماء فظيعة مثل “كراع النصراني” و”الغيران” أن تحمل أسماء مستمدة من تاريخنا مثل : شارع عبد الله ابن ياسين، شارع ابو بكر بن عمر – شارع دان فوديو – شارع يوسف ابن تاشفين – ساحة بدر – ساحة حطين.

فهذه المسميات هي أكثر جدية وأكبر دلالة على احترام الذات واستحضار التاريخ وتمثل التراث من تلك التي أوردناها قبلها.

ولاريب أن هذه الظاهرة مرتبطة بانحطاط الذائقة العامة الناتج بدوره عن الخواء الثقافي والفقر الفكري المتصلين بالركود الذي يميز الساحة الثقافية ببلادنا منذ عدة عقود.

  1. أسباب الوضعية الراهنة للساحة الثقافية الوطنية :

ان مرد الركود المحزن الذي تعرفه الساحة الثقافية الوطنية في الوقت الراهن هو :

  • تفشي الأمية الأبجدية والحضارية في مختلف الأوساط الشعبية ببلادنا والإنحطاط المريع للمستوى الثقافي الذي عانت منها ناشئتنا منذ ما يربو على ثلاث عقود نتيجة للتعديلات التي أجريت على منظومتنا التعليمية والتي لم تكن دائما موفقة ولا مدروسة بما فيه الكفاية ؛
  • ضعف المناهج المدرسية في المؤسسات التعليمية الوطنية وانخفاض مستوى المدرسين وعدم التزامهم المهني الناتج عن احباطهم وسوء ظروفهم المعاشية والمهنية والاجتماعية مما أدى إلى ضعف أدائهم وعدم ارتقاءهم إلى مستوى مسؤولياتهم.

ومما يزيد المدرسين إمعانا في التراخي في القيام بمهامهم هو قلة ما يحظون به من اعتبار في المجتمع ولدى الدوائر الإدارية. فلمدرس لا يعدو كونه “كراي” سواء كان معلما أو استاذا أو دكتور دولة له العديد من المؤلقات.

  • المنزلة المتدنية التي يحتلها المثقفون ضمن الهرم الاجتماعي بالبلاد فالعلم لا يرفع صاحبه ولا يبوؤه مكانة عالية في المجتمع الموريتاني في ظل الظروف القائمة الآن.
  • إبعاد المثقفين عن دوائر صنع القرار بالبلاد وابقاؤهم في وضعية متردية يعانون من الفاقة والخصاصة والتهميش مما ينفر الاجيال الصاعدة من الانقطاع للعلم والتفاني في تحصيله خوفا من نفس المصير.
  • عدم تشجيع المبدعين والمؤلفين ماديا ومعنويا وانعدام دور النشر والمطابع بالبلاد.
  • انعدام المسارح والمعاهد الموسيقية والفنية (Conservatoirs) بالبلاد.
  • عدم الأهتمام بخلق حركة سينمائية وطنية على غرار ما هو موجود بالسينغال ومالي وبركينا فاصو والمغرب والجزائر وتونس…
  • عدم أهتمام الفاعلين الاقتصاديين الوطنيين بالاستثمار في مجال الثقافة خاصة في مجال الصناعات الترفيهية.
  • عدم وجود استراتيجية وطنية شاملة لتطوير وتنويع وتوسيع الانطشة الثقافية بالبلاد.
  1. سبل تقويم وضعية الساحة الثقافية بالبلاد :

إن العمل على تقويم وضعية الساحة الثقافية يقتضي في نظري :

  • وضع استراتيجية وطنية لتطوير الثقافة يوكل تصورها وبلورتها إلى نخبة من المثقفين ذوي المستويات العالية والاختصاصات المختلفة ؛
  • رد الاعتبار إلى المثقفين وإعطاؤهم المنزلة الاجتماعية والاقتصادية التي يستحقون. واشراكهم في وضع أي تصور يتصل بتطوير البلاد ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا ؛
  • ربط الرقي الاجتماعي للأفراد بمستواهم الثقافي والعلمي والمهني والاخلاقي. إذ أن من شأن ذلك أن يشكل حافزا للتعمق في المعرفة ؛
  • رصد الامكانيات الضرورية لانعاش الساحة الثقافة وذلك عن طريق تمويل الندوات والمحاضرات والملتقيات الثقافية وتحفيز المحاضرين والباحثين والإغداق عليهم وطباعة ونشر وتوزيع أعمالهم وتكريمهم والعناية بهم.

فمما لا ريب فيه أن الشباب إذا ما أيقن أن العلم والمعرفة والنبوغ الفكري والابداع الأدبي والفني هو الطريق إلى النجاح والرفعة والجاه والنفوذ المادي والمعنوي فإنه سيقبل على تحصيل العلم بإصرار واستماتة.

وإذا ما أقتنع المثقفون أن انتاجهم الثقافي وانجازاتهم الفنية ستفضي بهم إلى الرقي الاجتماعي والمعنوي فسوف يتبارون في الامتياز ويتنافسون في العطاء فينعكس ذلك إجابا على الساحة الثقافية الوطنية ويعطيها الزخم الذي ننشده جميعا.


 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى