هل من أمل في انتشال العرب من أنفسهم؟

يضم الوطن العربي كتلة بشرية تناهز 420 مليون نسمة أي ما يربو على 5% من سكان المعمور، و يحتل حيزا جغرافيا يبلغ 14 مليون كم2 أي أزيد من 10% من مساحة العالم الإجمالية. و يمتلك 65% من الاحتياطي العالمي للنفط فضلا عن 23% من مخزون الفسفاط ، و 3% من احتياط الحديد عبر العالم . و تشكل ثرواته السمكية 2.6 % من مجموع الثروات السمكية المتوفرة عالميا. كما أنه يمتلك سواحل تمتد على طول 23 الف كلم ، إضافة إلى العديد من المنافذ البحرية الإستراتيجية ذات الأهمية البالغة . كل هذه في حقيقة الأمر مقومات لو تم استغلالها على الوجه الأكمل ، لكانت كفيلة بجعل الوطن العربي فضاء اقتصاديا و جيو استراتيجيا كبيرا يتمتع بنفوذ سياسي مرموق وتأثير سوسيوثقافي معتبرا على المشهد الدولي.
إلا أن مجموعة من الإخفاقات و الإختلالات حالت دون تطوير بلدان الوطن العربي و تحديثها و الإرتقاء بها إلى مستوى الأمم المتقدمة. فعلى الصعيد الثقافي و العلمي ، تعاني الشعوب العربية من انتشار الأمية ، حيث تبلغ نسبتها في المتوسط 40% أي ضعف المتوسط العالمي ولا تعدو نسبة التمدرس في المتوسط 75% ( في حين تبلغ 100 %بدولة بوروندي(. ويكاد البحث العلمي يكون منعدما . إذ أن جل إن لم نقل كل البلدان العربية لا تنفق على البحث العلمي سوى 0 ,1 من دخلها القومي. و ليست هناك جامعة عربية واحدة من بين ال100 جامعة المصنفة ذات امتياز على الصعيد العالمي. و لا يؤلف في الوطن العربي إلا 1 .1% من مجمل ما ينشر من الكتب في العالم.
وحسب بعض تقارير اليونسكو فإن الحيز الزمني الذي يخصصه المواطن العربي للقراءة هو في المعدل 6 دقائق في السنة.
ولا يترجم في كل البلدان العربية مجتمعة سوى 330 كتابا في السنة أي خمس ما تترجمه اليونان سنويا. هذه الوضعية المزرية التي تعاني منها ” أمة إقرأ” هي متأتية عن حزمة من العوامل ، منها الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و العقدية و السياسية.. فعلى الصعيد الاقتصادي أدى تبذير العديد من الساسة العرب لثروات بلدانهم و تبديد مقدراتها في اللهو و الترف و المجون إلى غياب الاستثمارات المنتجة في المشاريع التنموية المتصلة بمختلف أوجه الحياة الوطنية. و إلى انعدام البنى التحتية الأساسية و غياب المؤسسات التعليمية و العلمية مما أعاق قيام مجتمع المعرفة في الفضاء العربي. وعلى الصعيد الاجتماعي أفضت العادات و التقاليد البالية المتخاصمة مع العصرنة و التحديث مثل العقلية الذكورية المستبدة و امتهان المرأة و تهميش الشباب إلى التكلس و الجمود بل إلى التقهقر و الانكفاء على مختلف المستويات .
و على الصعيد الثقافي أدت سيطرة الفكر الخرافي و عنفوان النزعة الإمتثالية المناوئة لكل تجديد و إبداع و ابتكاار و انتشار الترهات و الخزعبلات و ضمور الحس النقدي إلى حالة مريعة من الدغمائية و البلاهة لا مجال معهما للنباهة و التوقد الذهني و حب الاستطلاع.
و على الصعيد العقدي أفضت سطوة و تغول التيارات السلفية المتشددة ذات النزعة الطالبانية الداعشية إلى تراجع ملحوظ للعقلانية و الوسطية و الإنفتاح العقدي و التعددية الفكرية . ما مهد الطريق أمام الانغلاق و التزمت و استفحال الطائفية و تفاقم التناقضات المذهبية و ما يواكبها من تنافر و تدابر و كراهية.
و على الصعيد السياسي فقد وقف نزوع العديد من الأنظمة العربية إلى الاستبداد و الشمولية و تهميش القوى الوطنية الحية و إقصاء النخب و المثقفين المتنورين حجر عثرة في وجه قيام الديمقراطية التي تسمح بإشراك كل الطيف السياسي في تدبير شؤون البلاد و مساهمة النخب المثقفة و قادة الرأي في صنع القرار السياسي و صياغة المستقبل و السهر على إرساء و ترسيخ كل مظاهر و أبعاد الحاكمية الحسنة. و نتيجة لغياب الديمقراطية و انعدام ما تتيحه من شراكة و ترشيد للوسائل و تمكين للمرأة و ادماج للشباب في عملية تدبير الشأن العام، و نتيجة لانتشار الأمية و سيطرة الفكر السلفي المتحجر و تبعا لهيمنة الأنظمة الكليانية المهجوسة بتأبيد ذاتها في السلطة ، نتيجة لكل هذه الأمور، فقد استفحلت النزاعات الأهلية داخل العديد من الشعوب العربية على أسس قبلية و طائفية و عرقية و جهوية و تفاقمت الحروب المدمرة بين البلدان العربية المتجاورة ، و حدثت اصطفافات و قامت أحلاف هدفها شن المزيد من الحروب و إلحاق أكبر دمار ب”العدو”. بغض النظر عما يلحق من موت و دمار بالأطفال و النساء و الشيوخ و المواطنين العزل!!
و ترتب عن هذه الحروب ليس فقط تحطيم البنى التحتية في العديد من البلدان العربية بسلا ح أشقاء لهم و لكن ترتب عنه أيضا هدر بعض البلدان العربية لكرامتها بارتمائها دون تحفظ في أحضان أمم أجنبية قد عرفت تاريخيا بعدم مودتها و قلة تقديرها للعرب بل و بعدائها المعلن للأمة العربية. و قد أوصل ذلك الموقف إلى تقزيم الأمة العربية و تتفيهها و الانتقاص من شأنها أمام الأمم!
فظهر الوطن العربي رغم تاريخه الحافل و جغرافيته و ديمغرافيته و موارده أخف وزنا وأقل شأنا من إيران ذات ال 79 مليون نسمة ومن تركيا ذات ال80 مليون و حتى من كوريا الشمالية ذات ال27 مليون نسمة. و ما يحز في النفوس أكثر هو أن لكل واحدة من هذه الأمم مشروع وطني ذي معالم واضحة تسعى إلى تحقيقه و تسخر مواردها لذلك . وليس مع أشد الأ سف للعرب مشروع واضح الملامح. و في الوقت الذي تعمل فيه كل من تركيا و إيران الجارتين للتموقع على الحلبة الدولية و لفرض وجودهما إقليميا و دوليا ، تتنافس البلدان العربية في الارتماء في أحضا ن الأمم الأخرى كالولايات المتحدة الأمريكية و روسيا و إيران و تركيا و حتى إسرائيل!!! رغم تهويدها المضطرد للقدس الشريف و ابتلاعها المتزايد للأراضي العربية الفلسطينية .
فهل من سبيل إلى الخروج من هذه الوضعية المزرية و المؤلمة ؟
أعتقد أن السبيل إلى ذلك يقتضي تلبية مجموعة من الشروط لعل من أهمها و أشدها إلحاحا:
ـ االقضاء على الفكر السلفي المتشدد المعادي للتجديد و التحديث و الرامي إلى إعادة إنتاج الفكر الظلامي و محاربة العقلانية و التعددية.
ـ العمل على القضاء على الاستبداد و الشمولية و إقصاء النخب المتنورة مع السعي الحثيث إلى إقامة أنظمة ديمقراطية تكفل الحريات الأساسية و تشرك المثقفين و ذوي البقية في تدبير الشأن العام و إرساء أسس الحاكمية الحسنة.
ـ إعادة امتلاك مقدرات و ثروات الشعوب العربية المهدورة و توظيفها في مشاريع تنموية تشمل البنى التحتية و الفوقية في الفضاء العربي، بحيث تمهد الأرضية لقيام مجتمع المعرفة و ما يستلزمه من رقمنة و حوسبة و تقانة.
ـ تحمل المثقفين لمسؤولياتهم التاريخية لنشر الوعي وإيقاظ الضمائر و استنهاض همم الجماهير العربية لأخذ مصيرها بين يديها و أن لاتستمر في التفريط فيه و ذلك وصولا إلى الخروج من المستنقع الذي تردت فيه الأمة العربية بسبب مجموعة العوامل التي ألمعنا إليها في ما تقدم.
و يحضرني في هذا المقام بعد ما كتبته هنا قول الشاعر العربي نزار قباني :
” إن أكن قد كويت لحم بلادي فمن الكي قد يجيء الشفاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى