من أعان ظالما سلطه الله عليه

إذا كانت الأمة العربية قد عرفت خلال تاريخها الحافل أمجادا كبيرة و انتصارات باهرة بفضل بعض القادة الأفذاذ الذين انجبتهم ، فإنها قد اصيبت بهزائم و نكبات مهولة بسبب جبن و تخاذل بعض قادتها الآخرين.

ففي سنة 1258م غزا هولاكو خان بغداد ، و بدل أن يقوم الخليفة العباسي الحاكم آن ذك المستعصم و كبير وزرائه مؤيد الدين بن العلقمي بتعبئة الشعب لصد الغزاة المغول ، اختبؤوا في قصورهم و استجدوا من الغزاة الإبقاء على حياتهم و على سلامة جواريهم و أموالهم مقابل تسليم بغداد و سكانها و إرشاد الغزاة إلى أماكن كل الكنوز المخفية .

ولما استولى المغول على الكنوز صادروها وا استولوا على كل أموال الخليفة و اغتصبوا جواريه امام ناظريه ثم نكلوا به شر تنكيل قبل أن يقتلوه بالضرب المبرح. وقد قال له هولاكو قبل أن يقتله : ” لو صرفت جزءا يسيرا من الذهب الذي كنت تكنزه على تعبئة جيشك و إعداده و تجهيزه لكنت هزمتنا ”

وفي سنة 1492 م، دخل ملكا اسبانيا فردينان و إزابلا بجيوشهما إلى مدينة غرناطة آخر معاقل العرب بالأندلس فانتزعاها من آخر ملوك بني الأحمر أبي عبد الله محمد الذي كان منغمسا في اللهو و الملذات عندما كانت الجيوش الاسبانية تزحف نحو غرناطة . حاول أبو عبد الله أن يفتدي حياته من خلال تقديمه كميات كبيرة من الذهب للملكين الغازيين. أعطاه لهما صاغرا وهو ينتحب . ما جعل أمه تقول له : ” لم تعرف أن تدافع عن مدينتك كالرجال فابك اليوم على فقدانها كالنساء”. و هنا أيضا نكل الملكان الاسبانيان بأبي عبد الله لإجباره على دلهما على مكان الذهب المخبئ .

و في 21 مايو 2017 تم بالمملكة العربية السعودية تنظيم قمة مهيبة دعي إليها العديد من قادة الدول العربية و الإسلامية للاحتفاء بألد و أشرس عدو للعرب و المسلمين ألا وهو دونالد ترانب حيث أفسح له المجال فصال و جال و أزبد و أرعد و أنذر و توعد. و هنا أيضا أخرج الملوك العرب ما كان مكنونا من كنوز شعوبهم وقدموه توددا و تزلفا لهولاكو العصر دونال ترانب ، فذهب إلى أهله يتمطى . قد حمل معه مبلغا يربو على 600 مليار من الدولارات ، أي مبلغا كافيا لتنمية و تطوير كل البلدان العربية مجتمعة و تزويدها بالمدارس و المعاهد و الجامعات و النهوض بمواردها و الارتقاء بمستواها المعيشي بالتغلب على ما تعانيه من فقر و أمية و تخلف و ما ينجر عن ذلك من من غلو و تطرف و إرهاب.

أخذ دونالد ترانب هذه الأموال الطائلة غير ممتن و لا شاكر ، بل قد تم شكره هوعلى التفضل بقبول الهدية . وقد قال بصريح العبارة إن الأمريكيين أحق بهذه الأرصدة من الأعراب الأجلاف المتخلفين ، حماة التطرف و رعاة الإرهاب.

و ردا من ترانب للجميل للقادة العرب الذين بالغوا في إكرامه و بذلوا الغالي و النفيس في الإحتفاء به، وجه إليهم صفعة مدوية تمثلت في الإعلان بكل رعونة و صفاقة و صلف عن اعتراف أمريكا رسميا بالقدس الشريف كعاصمة أبدية و موحدة للدولة اليهودية إسرائيل دون غيرها، موضحا بكل وقاحة أن هذا الإجراء هو عين الصواب و أن على العرب و المسلمين و غيرهم أن ينصاعوا لهذا القرار و أن يذعنوا له أحبوا أم كرهوا. و إمعانا منه في الاستخفاف بالقادة العرب و استصغارا منه لشأنهم أعلن أنه سوف يوفد غليهم أحد أعوانه ليشرح لهم جدوائية قراره و يبين لهم أهمية و ضرورة قبوله من طرف كل الفرقاء في الشرق الأوسط.

وإذا كان من المتوقع أن تقابل الجماهير الفلسطينية و العربية و الإسلامية صلف و استهتار دونالد ترانب بالاحتجاجات و المظاهرات الشعبية ، فإن من المحتمل أن تكتفي الأنظمة العربية بالتعبير عن أسفها و خيبة أملها و ربما استنكارها لهذا لإجراء . و الراجح أن القمم التي قد تدعو لها الجامعة العربية و منظمة المؤتمر الإسلامي سوف تصدر بيانات شجب و استنكار و تدعو إلى احترام الشرعية الدولية. و بعد فترة يطوي النسيان هذا القرار الغاشم و كأن شيئا لم يكن: و كأن العرب لم تمرغ أنوفهم في التراب. و كأن أبا الطيب المتنبي يعنيهم عند ما قال :

من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام

وعلى أي فإنه ينبغي أن لا يغيب عن أذهان العرب و غير العرب أن ” من أعان ظالما سلطه الله عليه”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى