قراءة في رواية د. الشيخ ولد أحمدو “دهور انبيوه السعيدة”

ان السردية التي تحمل عنوان : ” دهور انبيوه السعيدة ” التي وضعها د. الشيخ ولد احمدو ، هي في ما أرى عمل ادبي متميز و ابداع فني أخاذ . بيد أنه قد ﻻ يجافي الصواب من قال ان اﻻهتمام الذي أوﻻه الكاتب لشكل الرواية و بنيتها و تمفصل العناصر المكونة لها هو ربما دون اهتمامه بباقي مقوماتها اﻻخرى ، التي ﻻ مراء في أنه أجاد اجادة كبيرة في بلورتها و توظيفها في اضفاء قيمة فنية ﻻفتة على الرواية ، ارتقت بمستواها الفني الى حد كبير. و تتجلى القيمة اﻻبداعية للقصة في تضافر و تداخل ابعاد تاريخية و جغرافية و اقتصادية و اجتماعية و سياسية و سيكولوجية لخلق حزمة من الدﻻﻻت و اﻻيحاءات و المشاعر لها تأثير بالغ و وقع كبير على القارء . فقد وفق د. الشيخ ولد أحمدو بفضل رهافة حسه و دقة مﻼحظاته و سعة رصيده اللغوي و درايته بما يعتمل في نفوس المجتمع الذي يكتب عنه ، بحكم انتمائه اليه ، من مشاعر و احاسيس و آمال و توجسات ، لقد وفق نتيجة لكل ذلك في ألقاء اضواء كاشفة متحكم في توجيهها على مختلف جوانب و تضاريس الفضاء الجغرافي الذي يكتنف أحداث الرواية و تتحرك ضمنه شخوصها. بل يمكن القول أن نظرة الكاتب الثاقبة المعززة بتجربة عميقة كانت بمثابة كاميرة رقمية عالية الدقة مصحوبة بمايكروفون في منتهى الحساسية مكنا معا من تصوير مشاهد متكاملة من حياة مجتمع المنطقة التي رام الكاتب تصويرها . وسمحا سويا بتسجيل طيف واسع من اﻷصوات المختلفة الذبذبات ، تتراوح بين اصوات مدافع البواخر الحربية اﻻوربية في عرض البحر و اصوات اﻷمواج التي تتكسر على الشواطء و نباح الكﻼب و ثغاء اﻷغنام في اﻻحياء المتواجدة على الكثبان و “ادخل” و مختلف الجزر المتجاورة . ما جعل القصة تعج باﻷصوات ذات المصادر المختلفة و يهيمن عليها حسب ما يستشعره القارء ظﻼم دامس مخيف قد تظهر في جنباته من حين ﻵخر ومضات نور مجهولة المصادر وغير مطمئنة… كل هذا يشكل لدى القارئ جوا غرائبيا يبعث على الخيفة و التوجس من مخاطر مجهولة تتهدد الشواطئ الموريتانية و ساكنتها …مما ينبؤ عن قدرة الكاتب الفائقة على تجسيد مشاهد كاليدوسكوبية يمتزج فيها النور بالظﻼم و يتتابع فيها الصوت و الصمت و تتعاقب الحركة و السكون بما يشكل لوحات ديناميكية تضاهي تلك التي توجد في اﻷفﻼم السينمائية الغرائبية. لقد نجح د. الشيخ ولد احمدو في التقاط صورة دينامكية لمجتمع الشاطئ الغربي الموريتاني في فترة محددة من سيرورته التاريخية وخﻼل عملية تحول سوسيو اقتصادي ذات أبعاد و تمظهرات مختلفة قد بدأت مﻼ محها تتحدد اعتبارا من القرن الثامن عشر. ووصف لنا الكاتب بدراية المؤرخ و فطنة عالم اﻵجتماع و حساسية اﻷديب ارهاصات التحول اﻻجتماعي و اﻻقتصادي و السيكولوجي التي بدأت تظهر في مجتمع الساحل الجنوبي الغربي الموريتاني و على وجه الخصوص في مجتمع تندغة بشقيه المتكاملين و المتداخلين البيظاني و الحرطاني في فترة ما قبل اﻻستعمار الفرنسي مظهرا جوانب هامة من حياته اليومية و تقاليده و ممارساته و نمط حياته . كما تعرض الكاتب للتداخل اﻻجتماعي و التكامل اﻻقتصادي و التبادل التجاري بين مجتمع البيظان و جيرانه الذين كانوا يعرفون اذ ذاك ببﻼد “السنغان” و بﻼد “بمبارا” قبل أن يقوم اﻻستعمار الفرنسي بانشاء دولتي السنغال و مالي الحا ليتين


2

ووضع حدود جغرافية فاصلة بينها تعرقل التواصل بين هذه البلدن المتصاقبة و التي كانت منذ سالف اﻷزمان متداخلة و متواصلة. وقد بين الكاتب من خﻼل قصته ” دهور انبيوه السعيدة” بزوغ وعي متزايد بضرورة ووجاهة التقري و اﻻستقرار و اﻻنتقال من نمط العيش القائم على الجني و الصيد البحري البدائي الى ممارسة الزراعة و الصيد البحري الممنهجين و التنمية الحيوانية و التجارة . و اظهر الكاتب كذلك مولد أول ارهاصات الوعي الوطني و التبرم من وجود اﻻستعمار لفرنسي و ارادة التخلص منه من خﻼل اﻻنخراط في مقاومته و مواجهته بشكل منظم. و تجدر اﻻشارة من جهة اخرى الى أن الكاتب سعيا منه الى تخطي تقنية السرد الخطي التقليدية فقد عمد الى اعتماد تقنية تداخل اﻻزمان من خﻼل ادماج المستقبل في الحاضر بحيث جمع بين شخوص ينتمي بعضهم الى المستقبل و البعض اﻵخر الى الحاضر و جعلهم يتفاعلون فيما بينهم على نحو مفارق .و بذلك جعلنا الكاتب نشهد حوارا بين أحد الشخوص و جده السابع في ظروف تتسم بنوع من الضبابية المقصودة التي تشبه الهلوسة لكنها هلوسة مقبولة بل وطريفة لدى القارء وتدخل في تعبيرية الرواية. وعمد الكاتب كذلك ألى ما يعرف عند السينمائيين بتقنيات : Gros plan و close up و Zoom in و هي تقنية تتمثل في و قوف المصور عند مشهد بعينه و تصويب الكاميرا اليه لتكبير معالمه و ابراز مﻼمحه بهدف تبيان تفاصيلها و كانها تحت المجهر، لحاجة في نفس المصور. و تتشكل رواية “دهور ابيوه السعيدة ” من متوالية من اللوحات الدالة و المشاهد المعبرة هي قوام القصة وسداها و لحمتها. و من بين هذه اللوحات و المشاهد ما هو مثير و مؤثر لدرجة كبيرة. وهذا ينطبق تحديدا على مشهد هبوب العاصفة على صيادي قرية لفريع الذين كان يقودهم الصياد الماهر كوتل ولد يرك حيث تكسرت مجادف زو رقهم و تمزق شراعه مما اضطرهم الى المكوث داخل زورقهم في عرض البحر خمسة عشر يوما اشرفوا خﻼلها على الموت جوعا و عطشا. و كانوا قاب قوسن أو ادنى من الغرق . فكادت رحلة صيدهم تتحول الى مأساة مفجعة . و قد استطاع الكاتب أن يصف لنا باقتدار وواقعية الظروف المأسوية التي حلت بهؤﻻء الصيادين و مكابدتهم الشجاعة و المستميتة لﻼعصار المغبر و المدمر ولﻷمواج االعاتية التي كانت تتقاذف زورقهم مهددة بابتﻼعه و اغراقهم جميعا . لقد وصف الكاتب هذا المشهد بدقة متناهية تثير شفقة عارمة على الصيادين و تجيش عواطف القارئ نحوهم و تخلق لديه تعاطفا و تماهيا معهم يجعله ﻻ يتمالك عن ذرف الدموع من شدة التاثر و الخشية على هوﻻء الصيادين و من فرط الرعب مما قد تهددم من مخاطر مميتة . كما أنه ﻻ يستطيع السيطرة على مشاعر الفرح التي تغمره عند انقاذ الصيادين بفضل هبة انسانية مؤثرة قام بها الصيادون الولوف السينغاليون تجاه اخوانهم البيظان الموريتانيين . و هنا يجعلنا الكاتب نشعر بتلقائية التضامن اﻻنساني حيال المخاطر المحدقة التي ﻻ تميز بين انسان و آخر. لقد استطاع الكاتب من خﻼل هذا المشهد أن يبرز بكل جلاء اﻷخوة ووحدة المصير بين مختلف سكان القرى الموريتانية الذين حضرو بكثرة ا لﻼحتفاء بنجاة الصيادين من الغرق من جهة و بينهم و بين سكان يكت اندر السينغاليين من جهة اخرى.

3

و قصارى القول بهذا اﻻصدد أن رواية ” دهور انبيوه السعيدة ” عمل روائي متميز افلح كاتبه في القاء اضواء كاشفة على حقبة مفصلية من تاريخ جزء من المجتمع الموريتاني و تحديدا على التحوﻻت اﻻقتصادية و اﻻجتماعية لساكنة الشواطئ الساحلية الغربية لموريتانيا و تفاعل هذه الساكنة مع سكان المنا طق اﻻخرى و مع دول الجوار وذلك قبل سيطرة اﻻستعمار الفرنسي على المنطقة و ما نجم عن تلك السيطرة من تداعيات سلبية على مختلف الصعد.
نواكشوط 1شتنبر 2019.
د. محمد الامين ولد ااكتاب

مقالات ذات صله